دفاعاً عن التكنولوجيا التي تكرهونها

الخيارات الصحيحة في الزمن الخطأ

شام الحريري

كانت نظرياتنا ثابتة، فرضياتنا مؤكدة، عاداتنا وتقاليدنا سنن كونية لا نحيد عنها. كل شيء منظم ومقرر لنا منذ طفولتنا وحتى مماتنا، أسماؤنا، عقائدنا، تعليمنا، وما يجب أن نكون عليه مستقبلاً. ابن الطبيب يجب أن يكون طبيباً، وابن المهندس مهندساً وابن المسؤول مسؤولاً.. لم يكن من السهل تقبل أي مهنة لا تحملك إلى مكانة مرموقة في المجتمع، وترتيب المهن المرموقة كان يعكس، وبدقة حرفية، ترتيب الخيارات في مفاضلة الجامعات السورية: الطب أولاً، الصيدلة ثانياً، الهندسة ثالثاً.. وهكذا..

المهن التي تخرج عن هذه المفاضلة، أو التي تحتل أسفل السلم فيها، كانت بمثابة وصمة على جبين الفاشلين، ومجرد التفكير بإحداها كان يتسبب بطردك من المنزل وحرمانك من المصروف، وإن تشبثت بها ستصبح منبوذاً من العائلة وكذلك المجتمع.

كان الفن، بمختلف مجالاته، واحداً من هذه المهن، فأن تقول لأهلك إنك ترغب في أن تكون عازف غيتار، مصمم رقصات، ممثلاً، مطرباً.. يعني أنك تغامر بجعل نفسك ابناً عاقاً، مستهتراً، غريب الأطوار.. أما إن كان الحالم بالفن فتاةً وقالت إنها تريد أن تصبح راقصة باليه، مثلاً، فهذا يعني أن المسألة صارت تتصل بالشرف والأخلاق.. لذلك إن كنت تملك الموهبة فمن الأفضل لك أن تدفنها في جسدك قبل أن يدفن جسدك في التراب.

كان أفراد الأسرة يتسمرون أمام المذياع، ومن ثم التلفزيون، يتفاخرون بتسميع أسماء النجوم والنجمات من الممثلين والمطربين. كانت ساعة أم كلثوم مقدسة حيث يلف الصمت الكون برمته ليتاح لـ “الست العظيمة” أن تصدح بإحدى أغانيها، وكان لا يمكن للصباح أن يطلع إلا على أغاني فيروز. عادل إمام كان يميتهم من الضحك، وعبارات منى واصف البليغة تجعل أبدانهم تقشعر تأثراً.. ومقابل هذا التوقير الذي يصل حد التقديس، فإن الفن سرعان ما يغدو أمراً “بيوطي الراس” إذا ما اختاره أحد الأبناء طريقاً ومهنة.

وقد استمرت هذه الازدواجية طويلاً، إلى الثمانينات وربما التسعينات، إلا أن الكثير من المياه قد جرى في حياتنا وعقولنا، ما جعل الصورة تتغير بشكل ملموس.

نشكو نحن شباب هذه الأيام، وبحق، من حظنا العاثر، من الحرب التي حطمت أحلامنا، ومن الفقر والغلاء والندرة.. إلا أن أمراً آخر يمكننا أن نرضى بشأنه (وإن كان لا يعوضنا عن كل شيء فقدناه)، وهو أن خياراتنا صارت أوسع، ورغباتنا بشأن مستقبلنا باتت تلقى احترماً أكثر، وعلاقتنا بأهالينا صارت أكثر مرونة..

لم تعد هذه النظرة السلبية للفن سائدة اليوم، فابن الطبيب يمكن أن يصبح مطرباً، وابن المهندس قد يكون رساماً، وليس بالمحرم أن تحب الرقص وتجيده إن كنت شاباً أو فتاة.

تغير الحال بدرجة ملحوظة، فلم يعد من الصعب علينا أن نغير أسماءنا، وحتى أشكالنا، ندخل المجال الذي نحب ونهوى من دون قيود تكبلنا، ولعل للتكنولوجيا الفضل في هذا التغيير، وخصوصا بعد انتشار الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لنا نظرة أوسع على الثقافات الأخرى، ما شكل حافزاً لنرى الحياة نفسها بصورة أفضل.. ولا تنكروا، فهذا ليس بالقليل.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر