البيت السوري هو الثقب الأسود الذي يترصده العلم

فاطمة عمراني

“ما في متل البيت”، تتزامن هذه العبارة بشكل دائم مع “طقّة” المفتاح الذي يدور في قفل باب بيتنا. فهنا فقط نجد الراحة والأمان ونألف المكان. لكن، مهلاً، ثمّة ما يميز البيت السوري عن بيوت العالم كله!

كثقب أسود في الفضاء، يبتلع البيت السوري أغراض وحاجيات سكانه، فلا أحد من أفراد الأسرة يعرف أين يختفي جهاز تحكم التلفاز، أو مفتاح البيت، أو فردة من زوج الجوارب، لدرجة بتنا معها بحاجة إلى تركيب كاميرات مراقبة داخل الغرف المغلقة والحمامات لكي نصل للثقب الأسود الذي تضيع فيه “فردة الجوارب”.

وغالباً ما تتسبب حالة ضياع “فردة الجوارب” بخلق جو من الشك، ويتم تبادل الاتهامات ويسود جوّ التخوين في الأسرة. وتترافق عبارة أحد الأفراد: “ما لقيتو”، مع عبارة الأم التقليدية: “وإذا قمت ولقيتو”.

حتى اليوم، يعجز العلم عن تفسير تشابه البيت السوري مع بيت الأشباح، فالأب قد ينادي ابنه في الغرفة المجاورة تماماً دون أن يسمعه، وهو ما ينافي القواعد العامة للقدرات البشرية التي تمكننا من سماع أصوات بعضنا عبر مسافة قريبة بالرغم من وجود جدار، كما يبحّ صوت الأم وهي تطلب من ابنتها مساعدتها في الأعمال المنزلية لكن “بيت الأشباح” يمنع الفتاة من سماع طلبات الأم.

غرف البيت السوري متشابهة لأبعد حد، انطلاقاً من المطبخ بملامحه التقليدية المميزة: صينيّة موضوعة فوق حنفيّة الماء، كيس أسود تجمع فيه أكياس القمامة الفارغة، نصف ليمونة موضوعة على باب البرّاد.

غرفة الجلوس غالباً ما تتميز بجو حميمي، ويجب أن تبقى على الدوام نظيفة ومرتبة، لكن ما يثير الاستغراب هو تصميم الأم على تنظيف الغرفة قبل الخروج من المنزل، حيث تأخذ بعين الاعتبار إمكانية وفاة جميع أفراد الأسرة فيما هم بالخارج، فهل من المعقول أن يأتي المعزّون ليجدوا الغرفة “مكركبة”!.

أما الأمر الأكثر غرابة فهو إصرار الأم على تنظيف الغرفة قبل السفر، لتعود وتجد الغبار يغطي كل شيء وتعود لتقيم حفلة تنظيف جديدة..

“عالم أسفل السرير”، قاسم مشترك يميز جميع غرف النوم في البيت السوري، وهو العالم الموازي للثقب الأسود، فهنا يمكنك إيجاد مفقوداتك القديمة، قد تجد الدمية التي أضعتها في الصف الثاني الابتدائي، حذاءك الذي فقدته على شاطئ البحر، حلوى الشوكولا القديمة على شكل شمسية، ابن عم والدتك الذي فقد خلال الاحتلال العثماني.

أفراد العائلة السورية يشبهون منزلهم في غرابته، فالأب يعمل موظفاً في المؤسسة العامة للمياه، الأم تعمل مدرسة في القطاع الخاص، مجموع راتبيهما لا يتجاوز 100 ألف ليرة، ومع ذلك نجد ابنهما الأكبر يدرس هندسة العمارة في إحدى الجامعات الخاصة، تعجّ خزانة ابنتهما الوسطى بمختلف أنواع وأصناف الملابس والأحذية والحلي، المدرسون الخصوصيون يداومون بشكل يومي على طاولة الابن الأصغر، الجدة تعيش معهم في المنزل، وفي كل يوم ترغب بتذوق طبق مختلف من الطعام والحلويات “قبل أن تموت”!.

ما يجمع أفراد الأسرة كلمة “الشئسمو”، وهي ظاهرة خارقة تصف شيئاً مبهماً عجز العلماء عن معرفة طبيعته وماهيته، لكنه شيء معروف ضمنياً ما بين أفراد البيت نفسه، فنجد أن الأب يطلب من أحد أبنائه أن يجلب له “الشئسمو”، فيتوجه الابن بكل سلاسة وبشكل تلقائي ويجلب للأب الشئسمو الذي يرغب به تماماً.

قطعة خشبية مدورة، هي الشيء الوحيد الذي عجزت جميع الأسر السورية عن الاتفاق بشأنه، فغالباً ما يسمى “تبع إبريق الشاي”، أم “تبع ركوة القهوة”، أو غيرها من المسميات، لذلك نقترح إجراء مسابقة لتسمية هذه القطعة الغامضة، حيث يحصل الفائز على جائزة ثمينة وهي: “تبع إبريق الشاي”.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر