طريق ناقص من خارطة المدينة

براءة الطرن

كنا نسير في شارع فارس الخوري، متجهين من باب توما نحو كراجات العباسيين، الطريق الذي نسلكه مغلق للصيانة، السماء تميل نحو الأسود الحالك، أنا أميل نحو قلبك الحالم، الطريق الذي نسلكه ترابي، أناقتنا ذهبت أدراج الرياح، الرياح شمالية، الأبنية متصدعة، آخر ما أراه ذكرى قناص في الأفق، آخر ما تراه ضوء في النفق.

تحدثني عن دمشق، أول مدينة خلقها الله، أرفع حاجبي، تصحح جملتك “أول مدينة خلقها الله بعد الطوفان”، تقف الابتسامة على طرف شفتي، لا تسقط ولا تتمسك، متهالكان نحن كما أحياء “عاصمتك الحنون”، تزداد وقاحة فتقول “لم تعد لنا حجة للرحيل عن دمشق، نحن الناجون، نحن الباقون”!

افترقنا، ذهبتَ غرب دمشق حيث الشمس تدفئ القلب، وذهبتُ شرق دمشق حيث الشمس تحرق القلب!

لم تنجح محاولتك بخلق الهالة الوردية حول العاصمة البائسة في تغيير تلك المعرفة، أو زعزعتها، أحمل صورة رمادية عن أقدم مدينة خلقها الله، بعد الطوفان!

لم أنجُ، لا زالت أصواتهم المرتفعة كما الموت تتربص بي، لا زلت أضع وسادة فوق رأسي لأغفو، لا زالت الصفارات تفزعني، المدافع تفزعني، حتى بنادق الأطفال تفزعني، أعد الخسارات المتتالية، وأهرب من الخوف، الفزع، الألم، البقاء هنا، الحياة هنا، والموت هنا!

جمعتنا النا الدالة على الفاعلين الراحلين، فرقتنا الواو الدالة على الناجين الباقين.

مر عام على جدلنا، رحيلي عنك، ورحيلك عن دمشق!

أسير في شارع فارس الخوري، متجهة من باب توما، نحو كراجات العباسيين، الطريق الذي أسلكه مفتوح للسيارات، السماء تميل نحو الأسود الحالك، أميل على نفسي، الأبنية متصدعة، لا كهرباء لأرى آخر ما في الأفق.

ألمح وجهي في مرآة، أرتعش، أنكمش، وأسرع الخطى.

أفكر بك، أردد:

إن أعادوا لك الطريق فمن يعيد لك خطاك؟

إن أعادوا لك المقاهي القديمة فمن يعيد لك الرفاق؟

أصحح لصاحب الفكرة فكرته، ستكون:

إن أعادوا لك الطريق فمن يعيد لك الرفاق؟

من يعيد لك الرفاق!

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر