براءة الطرن

حين كنا صغاراً ـ منتصف التسعينات ـ كان عام الألفين وعشرين يبدو بعيداً جداً، وكنا حين نسمع عنه تلمع في أذهاننا صوراً لسفن طائرة، سيارات تسير على الماء، أبطال ديجيتال، أو “بوكيمونات”، وعلى الرغم من أن الفارق الزمني بينه وبين عام 1995 لا يتجاوز الخمس وعشرون عاماً إلا أن سبباً ما دفعنا للإيمان بأن القيامة ستكون قد قامت حينها حرفياً، أو مجازاً، وأن النقلة النوعية التي علقنا عليها آمالنا وكل ما نبغي لا بد آتية.

اعتادت البشرية منذ بداية استخدام التاريخ على فعل ذلك، فالأحلام تثقل كاهل البشر ما لم يتم التخلي عنها بالتأجيل والتسويف، والمستقبل هو الأمل “قناع الخيبة الأكثر إقناعاً”، الضائع كما كل الأشياء الأخرى الضائعة أيضاً، المفقود كما الفردوس الذي نبحث عنه وينتظرنا “على الناصية الأخرى” السابقة إن كنا مهزومين، واللاحقة إن كنا رابحين.

حين كنا صغاراً كنا رابحين، فأحلامنا لا تعدو ما سبق، ولا تتجاوز الرغبة في كسر المستحيلات الكبرى والتغلب عليها، خمسة وعشرون عاماً هي فترة كافية للاصطياف على سطح القمر، الانتقال بين الدول بسرعة الضوء، تقليص الحرب، الحزن، والمسافة، تأمين جوارب لكل أطفال الحي، استبدال المازوت بشيء أكثر توافراً، الكف عن إذاعة نشرات الأخبار، واختفاء البامية، والفاصولياء.

لم تكن الرفاهية ما يحركنا بل على العكس انتفاؤها ما يفعل، ذلك أننا لم نكن نملك سوى جورب ممزق، لا مدفأة، سيارة، تلفاز، أو شاليه بالطبع، كما أكلنا البامية ثلاثة أيام أسبوعياً لتقابلها ثلاثة أيام للفاصولياء.

كل ما في الأمر أننا لم نكن قد تعرضنا للخيبات بعد، ولم نكن قد خسرنا العقد القادم.

اليوم ونحن على مشارف الألفين وعشرين، لم نعد صغاراُ ولا رابحين، سبقنا الناصية لشدة ما ركضنا من فرط القلق، وصارت الحيوات الوردية خلفنا بمراحل، ثقوب الجوارب لم تعد صغيرة أيضاً، البامية والفاصولياء اختفتا فعلاً، المدفأة، السيارة، التلفاز، والشاليه بالطبع لا زالوا على حالهم كما تركناهم، غير موجودين.

أبطال الديجيتال، و”البوكيمونات” يظهرون لنا في كل مكان، ليصعقونا بالكهرباء التي لا نراها.

تتمدد الحرب، الحزن، والمسافة.

على مشارف الألفين وعشرين نطل برؤوسنا المعجونة بالخيبة تلو الأخرى على المستقبل الذي لطالما أخبرتنا “سبيستون” أننا شبابه فنراه يزداد قساوة وشناعة.

تثقل كاهلنا كل تلك الأحلام الملقاة على عاتق العام الذي نستقبله على مضض، نحاول رميها كما اعتادت البشرية على الفعل منذ بداية استخدام التاريخ، ونفشل لأننا وصلنا إلى سقف التوقع، لامسناه، وكادت تقتلنا هشاشته.

لم نعد نؤمن بالقادم، صرنا خاسرين، غير قادرين على التأجيل والتسويف، ينتظرنا الفردوس على الناصية السابقة.

ولأن لا أحد يستطيع أن يرجع بالزمن، أن يرمي الأحلام للماضي ستخنقنا كل تلك السفن الطائرة، وتدهسنا كل السيارات التي تسير على الماء.

سنلقى حتفنا ـ جميعاً – على سطح القمر.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر