شعوب قلبت على قفاها

براءة الطرن

في المدارس يتسابق بعض التلاميذ لنيل إعجاب المعلمة، والحصول على ما يتبع هذا الإعجاب من مزايا وحصانات، كالجلوس في المقعد الأول، النجمة على الجبين، استخدام الاسم كمثال في الدرس، والفوز بمناصب عريف الصف ومعاونيه.

لم يكن هؤلاء التلاميذ متفوقين بالضرورة، كما لم تكن العلامات العالية وسيلتهم الوحيدة، لم يكونوا متشابهين في التصرفات أو البيئات، يجمعهم الاندفاع الطفولي للانتماء، والاحتماء بتلك السلطة التي تحكم الصف، وتقوده.

بينما كان البعض الآخر من التلاميذ مقصياً، ومنبوذاً من قبل المعلمة لانشغالها الدائم بالثلة الأولى، لذا انحرف مسار السباق لديهم ليصير محاولات دائمة لنيل إعجاب أنفسهم أولاً، وأقرانهم ثانياً.

لم يكن هؤلاء التلاميذ كسالى بالضرورة، كما لم يكن الشغب وسيلتهم الوحيدة، لم يكونوا متشابهين في ردود الأفعال أو الأقوال، يجمعهم الاندفاع الطفولي للثورة على الطبقة المنتمية، والمحمية دوماً.

لم تكن الثلة الثانية قادرة على الاقتراب من المعلمة رغم تصرفاتها المثيرة للغضب حيناً، والحزن أحياناً أخرى، ذلك أن اهتمامها المنصبّ دوماً على الآخرين الفائضة جيوبهم به يكسر قلوب المحتاجين إليه، وأن الحوار معها لم يكن متاحاً، وأن أحداً لم يجرؤ على أن يجرب الأمر.

لذا انصب جام الغضب والألم على التلاميذ المحبوبين، واختلف الغاضبون في سبل التعبير عن ذلك، أحدهم عنيف يضرب ويشد الشعر، آخر أقل عنفاً يبصق ويشتم، وآخر أكثر قسوة من الاثنين فينهال ضرباً وشتيمة، تجري أحداث تلك المعارك في الفرصة ما بين حصتين باتفاق خفي على كتمان ما يحصل بين الفريقين لأن من يفشي السر تضاعف عقوبته بإضافة النبذ.

أكثر الغاضبين بروداً هو من لم يشارك في تلك المعارك المحتدمة، وخبئ في جعبته ألف نكتة ونكتة يلقيها فتلقى أثراً أكبر من كل الصفعات والمسبّات، يتقن التهكم، يتفنن بالسخرية، ويأخذ كوميدياه على محمل الجد، يقدر على الضحك حين يكون الضحك حراماً، يكتفي بالابتسام حين يقلب الآخرون على ظهورهم، تدمع عيونهم، ويصفقون بأكفهم على أفخاذهم، يسخر من نفسه أولاً، ثم يجعل من أولئك المختارين أضحوكة لأنه غير قادر على فعل ذلك بالمعلمة، ولا أمين السر، ولا أمين المكتبة، يعرف من أين تؤكل الكتف التي تحرك اليد الجاهزة لقمعه فلا يعضها، يكتفي بدغدغتها حتى تموت ضحكاً، أو تقتله قهراً.

حين حصلت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل إلينا الفيسبوك كفرصة بين حصتين خرجنا نحن الثلة الثانية مختلفين في سبل التعبيرعن غضبنا، حزننا، وألمنا مما تفعله بنا الثلة الأولى، عريف الصف ومعاونيه، كانت التفاعلات الخمسة التي يمنحها لنا الموقع على كل منشور تشبه دواخلنا، غاضبين، محبين، وحزانى.

أكثرنا بروداً المستحق التفاعل الأوسط، الضحكة الصفراء، القادر على طقطقة خواصرنا حين يقترب من شتم أمين السر سراً ولا يفعل، من يرفع وينزل خدودنا حين يرتفع سعر الصرف، الأسعار، الأزمات، الحروب، والمصائب.

وعلى الرغم من كون الأمر ناجحاً في مرحلة دراسية إلا أن أكثر الأمور فشلاً أن نستحق جميعاً ذلك التفاعل، تصير السخرية “صديقة الشعوب المقهورة”، والقهقهات شعارها، تصبح حياتنا ألف نكتة ونكتة لا يقلب لها ظهر، لا تدمع لها عين، ولا تصفق كف على فخذ، نخسر كل معاركنا لأننا أكثر بروداً من أن نضرب، نشد الشعر، نبصق، ونشتم، وأن ننتقل دون سابق إنذار من غاضبين، محبين، وحزانى إلى ضاحكين، مضحكين، وأضحوكة.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر