الحب الحب الحب

براءة الطرن

صباح نسائي في مقهى لم يكن هادئاً لانشغال طاولاته بطلبة هاربين من محاضراتهم التي لا تضر ولا تنفع، ولارتفاع صوت الضحكات في منافسة على من تكون الطاولة الأكثر فرحاً، طاولتي وصديقاتي كانت خارج المنافسة، فناجين القهوة عليها تغلي مع سيرة كل من مرّ في حياة كل واحدة منا، السير التي لا تسير كما تشتهي صاحبتها، والتي لطالما لفّت ودارت حول العلاقات العاطفية، والحب.

علاقاتي لم تكن بطول وأهمية علاقاتهن التي يتحدثن عنها لساعات مطولة لذا كنت الأكثر قدرة على ختم المشهد بجملة “لن أجد الحب، أعرف ذلك”، ولأن القدر اعتاد على معاندتي وهزمي حتى في هزائمي دخل في اللحظة التي نطقت بها شاب كاد يحقق كل مواصفات فارس الأحلام، وكادت الفراشات تطير في معدتي أو طارت فعلاً، وكاد ذلك يكون حباً من النظرة الأولى.

لم أتكلف عناء جذب انتباهه لأنه كان متجهاً إلى طاولتنا أصلاً ليلقي التحية على صديقته التي تجلس إلى يميني، أول الأشياء المشتركة بيننا، قد تكون لمعة عيناي وبلاهتي في كتم إعجابي هي ما حرّكته ليثبت نظره علي بينما يخاطب أخرى، أو قد تكون الكيمياء، لا أهتم كثيراً بالسبب فهذه البداية ليس إلا، بعد أن سمحنا له بالجلوس وكسر حرمة الصباح النسائي صارت الأحاديث تتدفق من كل حدب وصوب، وكنت بجهدي المبذول المتحدث الأهم إلى أن عرّف عن نفسه “أنا فلان من محافظة كذا” ثم سألني بثبات “من وين انتِ”، كان ذلك السؤال الذي يوجه لي عدة مرات يومياً حتى لو حذفنا من الحساب أسئلة الحواجزوالدوائر الرسمية، كانت تلك اللحظة التي عرفت فيها أنه يحاول تصنيفي ويفشل لعدم قدرته على ربط لهجتي بأي محافظة.

أنقصت تلك الهفوة ـ التي لا يمكن اعتبارها هفوة خارج إطار الإعجاب ـ البريق، كادت تعدمه، وشغلت ذهني بالبحث عن آلية غير معقدة للإجابة على سؤال معقد، أجبت بتهكم لا يخفى على أحد “أنا من مكان لا نستخدم فيه الكزبرة الخضراء”، ابتسم ممتعضاً وحذف من رأسه محافظتين على الأقل، مما تركه أمام اثني عشر خياراً آخر، لذا بدأ بالخارطة من جنوبها.

 سألني عن المناسف فلم أرمش، ثم المليحي فأجبت بسؤال لإغاظته “مليحي السويداء أم درعا؟” شرحت له الفارق الواهي بينهما، والخلاف القديم على نسب الطبخة، وهمست له بمن أظنه ابتكرها حقاً رغم أني لا أنحاز لطرف دون آخر، أحبطه ذلك على ما يبدو لكنه بدأ يفهم اللعبة، فانتقل إلى الأعلى قليلاً وغيّر نوع الأطباق التي يجرّبها علّه ينجح في حل الأحجية، “حلاوة الجبن؟” استطعت أن أحبس الضحكة قليلاً، أجبت بسؤال لإغاظته “حلاوة الجبن حمص أم حماه؟” شرحت له بالطريقة السابقة ذاتها الفرق الواهي بينهما، والخلاف القديم على نسب الطبق، وهمست له بمن أعرف أنه ابتكرها حقاً، وأوضحت انحيازي.

لم أحتمل ابتسامته الصفراء أكثر، واستمراره في عرض مهارته بالبحث في هويات الأشخاص لتأطيرهم سيما أني لطالما كنت بلا هوية، أضعتها منذ وقع والدي ابن المحافظة ألف في حب والدتي ابنة المحافظة باء وكللا تلك القصة المكررة في محافظة ثالثة لنكون نتيجة حتمية لخطئهما الفادح، غرباء ألف، جيم، وباء، غرباء أينما كنا، أينما حللنا، أياً كانت القلعة التي تتوسط المحافظة التي نقطنها، وأياً كان السورالمحيط بها.

منذ سكنّا الحواري الغريبة وجاورنا الغرباء الذين جربت الانتماء إليهم، درستهم فعرفت بهم العتابا، لون البحر في عيون أهل اللاذقية وخلافهم السري مع أهل طرطوس، الغزل بلهجة دير الزور والفرق بين “شكون” العائدة على أصحاب الجسر المعلق و”شكون” الآخرين، صبايا حمص بنات الجنة، ينافسهن في ذلك نَفس الحلبيات، “كُهن” الشاميات، كيد المدينة الخضراء، وصلابة الشماليات شرقاً.

منذ اقتربت من مطابخهم، عرفتها جيداً لعلّ الانتماء يكون كالحب أقصر الطرق إليه يبدأ بالمعدة، حفظت أصل وفصل كل طبق، ما البهارات التي يحتاجها ليبدو أكثر تميزاً عن طبق الجار، أي الزيوت القادرة على إشعال نار الفتنة، وأي الأحماض قادرعلى إطفائها.

منذ فهمت الفروق الواهية بيننا، الخلاف القديم على نسب كل منا، انحيازنا لطرف دون آخر، ومنذ رفضَنا كل الذين لم يأكلوا يوماً من صحن شخص آخر.

منذ كانت وحدتنا الوطنية كذبة لا نجرؤ على مواجهتها كي لا تواجهنا عزيمة الأمة التي ورغم وهنها قادرة على قهرنا.

أنا من أين!

من كل الأماكن التي سرقت مني حضناً لأني لم أكن ابنتها، ثم أنجبت لي عشاقاً مهزوزين يجهزّون قفصاً ليحبسوني.

من الشوارع التي لم تستقبلني رغم اللهفة والألفة، الأزقة التي لم تحجني للهجرة كي أجرب هموم الإنسان الحديث في اضطراب الهوية، والاندماج.

من كل هذه الأماكن التي طردتني، ولا زلت أعود إليها.

من هنا حيث “لن أجد الحب، أعرف ذلك”..

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر