دمشق: المحاولة رقم مليون

براءة الطرن

دمشق ومنذ خلقها الله أول مرة، تسند خاصرتها إلى قاسيون، تضع يدها على خدها، تثبت نظرها على أبنائها، ولا تراهم، تراقبهم، ولا تبالي بهم، تنفخ مللاً، وتنفخ ضجر.

تعدّل جلستها، تشد ظهرها، وتفتح أوراق اللعب، لتجرب حظها، ترمي الزهر أيضاً، وتخسر.

تقف، فتدهس واحداً ممن راقبتهم، أو أحد عشر.

دمشق ومنذ خلقها الله أول مرة، تراهن على حب صغارها المطحونين، المغمورين، فقرائها، شعرائها، كتابها، قرائها، وشحاذيها، تتكئ ثانية، تسند خاصرتها اليسرى هذه المرة، تضع يدها على قلبها، تثبت نظرها على أبنائها، وتفتح أوراق الموت، لتجرب حظها، ترمي محتلاً تلو الآخر، وتخسر.

تجلدنا صباحاً فنختبئ منها في سوق ساروجة، حيث المقاهي مُرّة، تمسك بنا، نركض إلى شارع الثورة حيث سرقونا ألف مرة، نهرب إلى السوق المغطى ليداري ظهورنا عن سياطها، تمزق الغطاء غاضبة، فنركض أكثر، إلى الجامع الأموي، حيث احتوانا، مؤمنين، وكفرة.

تهدئ دمشق قليلاً، تتنفس الصعداء، فنصعد، إلى خان أسعد باشا العظم، لا لحم فينا في دمشق، ولا عظم.

تجلدنا مساءً فنختبئ منها في زاوية دار السلام، حيث لم نجد سلاماً، تمسك بنا، نركض إلى حديقة السبكي، أسوارها الضائعة تسهل التقاطنا، نهرب إلى حديقة المدفع علّ المدفع يواجه سياطها، تمزق المدفع غاضبة، فنركض أكثر، نمر بأبو رمانة، متجهين إلى المالكي، واسطتنا الأعظم.

تهدأ دمشق قليلاً، تتنفس الصعداء، فنصعد، خارج حدودها، بعيداً عن جبلها، جلدها، وسياطها، حاملين معنا جلدنا المهترئ، خوفنا، وعذوبة الألم.

تشيخ اذ رحل أبناؤها البررة، صغارها المطحونون، المغمورون، فقراؤها، شعراؤها، كتابها، قراؤها، وشحاذيها، الذين لم يردوا ضرباتها يوماً، واكتفوا بالهرب، تلاحقنا بوجع من نوع آخر، بالحنين، تلاحقنا بالحنين.

بجسد “مثخن بالطعنات” نكتب “كلنا إلى دمشق يوم نغادر الجسد”.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر