أمين معلوف: سنمضي فترة صعبة للغاية لكنها لن تكون نهاية العالم

في كتابه الجديد «غرق الحضارات»

عن «دار الفارابي»، صدرت مؤخراً الترجمة العربية لكتاب أمين معلوف «غرق الحضارات» بعدما صدرت النسخة الفرنسية في بداية العام 2019 عن «دار غراسي»  في باريس.

يقول أندريس سيوان: «مع مطلع كل عقد من الزمن يطل الكاتب والأكاديمي أمين معلوف (بيروت 1949) على هاوية الذاكرة وعلى المقاطع المأساوية للتاريخ الحديث للخوض في قراءة مريرة للماضي، في محاولة لفهم التأسف على الحاضر وخصوصاً تحديات المستقبل. إذ كان الكاتب اللبناني في عام 1998 توقّع في كتاب سابق «الهويات القاتلة» وجود قومية فاعلة سياسية بارزة اليوم، وفي عام 2009 توقف عند «اختلال العالم» من خلال فقدان القيم، أما الآن فهو يقف عند ما يُعتبر مواضيع الساعة، مثل الآلية، الذكاء الاصطناعي، التدهور البيئي، التطرف الإسلامي والخطر الذي يتربص بالمشروع الأوروبي.. وهذا ما يملأ صفحات «غرق الحضارات» الصادر مؤخراً».  

ينطلق أمين معلوف من لبنان، إذ من هنا «بدأت الظلمات باكتساح العالم». ويعود ذلك إلى أن العالم العربي اختار الطريق الخطأ. فسبب اختلالات حركة النهضة العربية التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، أنّ المجتمعات العربية لم تتمكن من الاستجابة الفعلية لدعوات الإصلاح والتحديث بل ظلت مشدودة إلى الماضي، رافضة كل ما يسمح لها بالمساهمة في الحضارة الجديدة.

وبعد نيل البلدان العربية لاستقلالها، وخلاصها من الهيمنة الاستعمارية، صعدت إلى كرسي السلطة أنظمة لم تف بوعودها. وقد زاد ذلك في تعميق الجراح والأزمات، وسمح للحركات الأصولية المتطرفة باكتساح المجتمعات العربية.

يشبّه أمين معلوف العالم العربي بشخصيتي الكاتب الأميركي ستفنسون، الدكتور جايكل ومستر هايد، وهما في الحقيقة شخصية واحدة. فالمستر هايد رجل شرير وقاتل. أما الدكتور جايكل فرجل طيب ونزيه. ويقول أمين معلوف إنه عاين في مراحل مختلفة من حياته أن العالم العربي يكون مرة الدكتور جايكل مثلما هو الحال في لبنان ومصر وتونس والعراق، حيث كان السلام سائدا بين مختلف الطبقات الاجتماعية. وكان هناك تطلع للمستقبل ورغبة في النهوض بالمجتمعات من خلال حركات فنية وأدبية وفكرية تجسدت في الشعر وفي الرواية وفي المسرح وفي السينما وفي الفكر النقدي والفلسفي وفي صحافة حرة أو شبه حرة. لكن سرعان ما انتفى كل ذلك ليظهر العالم العربي بوجه كئيب وعنيف، وجه المستر هايد.

ويتعرض أمين معلوف لما سماه بـ «الردة الكبرى» في العالم. فمنذ بداية السبعينات بدأ العالم الغربي، صانع الحضارة الحديثة، يشهد تدهورا على مستويات متعددة، وشرعت الأحزاب والحركات اليسارية والثورية في التراجع أمام الأحزاب اليمينية والمحافظة التي وصلت إلى السلطة في بريطانيا مع مارغريت تاتشر، وفي الولايات المتحدة الأميركية مع رونالد ريغن.. وكل تلك التحولات السريعة والفجائية أحيانا أدت إلى الاضطرابات الخطيرة التي يواجهها العالم راهنا، والتي قد تغرق العالم في الفوضى القاتلة والمميتة إن لم تتوصل البشرية إلى إيجاد الحلول الضرورية والناجعة في أقرب وقت ممكن.

وفي حوار حول كتابه الأخير، يقول معلوف إن العامل الحاسم في ظهور الحركات الشعبوية في الغرب وديمومتها هو تصور وجود تهديد. تهديد اقتصادي واجتماعي، خاصة خطرا مقبلا من العالم العربي. التهديد الذي يمكن ترجمته في أعمال العنف الإرهابية، والهجرة الجماعية، وهذا هو الشيء الأول الذي يغذي صعود السياسيين الشعبويين. وبما ان هذه ليست ظواهر عابرة، حيث أن الوضع في العالم العربي لا يبدو أنه سيستقر في العقود المقبلة، فإن غذاء الشعبوية الغربية سيظل موجودا لفتره طويلة.

ورداً على سؤال: لماذا يتجه العالم بأسره نحو التجزؤ، لماذا نعود إلى القبيلة؟

يقول معلوف إن هذه ظاهرة عالمية، والسبب الرئيسي يكمن في اختفاء النقاش الفكري بين الرأسمالية والشيوعية، الذي حدد جزءاً كبيرا من القرن العشرين. وقد اُستعيض عن ذلك بادعاءات الهوية الساخطة والعنيفة في كثير من الأحيان، التي تُجزِّئ جميع المجتمعات، وهذا تراجع أخلاقي وفكري.

ويضيف: «أرى أنه من المستحيل تجنب فترة من الاضطرابات، والتي اسميها غرقاً. سيحدث، نعم، ولكن بعدها يجب البناء، لن يكون ذلك نهاية العالم. إذا فكرتُ في شعوري العميق، أود ان أقول إننا سنمضي فترة صعبة للغاية، ولكننا سنستعيد عافيتنا وسنحاول بناء الأشياء على أسس أفضل. نحن بحاجه إلى البقاء هادئين، لأنه يتعين علينا بناء عالم قادر على العمل».

ويختم: «ليس ثمة حلول إعجازية، لكن ينبغي التفكير في طرق جديدة للتعايش، وهو أمر مُلزم لنا. ليست هناك عوالم أخرى غير عالمنا هذا لنتقاسمها، لذا ينبغي تنظيم العيش بيننا. وهذا ليس سهلاً، ذلك يتطلب الاحترام المتبادل ورؤية للإنسانية، والهوية تحتاج إلى عمل أكثر. كما يتوجب علينا أن نحاول استعادة أيديولوجية عالمية، شيء يضم جميع الحضارات كما فعلت في السابق الاشتراكية والشيوعية، بدون السقوط في مطباتهما».

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر