أحلام مؤجلة..

علي حسون

“بدّي بنطلون جينز لون زيتي” كان هذا طلبي من أخي الأكبر الذي كان يتحضّر للسفر إلى دمشق والعودة خلال بضعة أيام.

خلال إلحاحي الشديد كان يكتفي بهز رأسه مع نظرة لم أفهم يومها مغزاها الحقيقي: ما هذا الطلب التعجيزي؟!

كان ذلك في عزّ فترة التقشف الذي عاشته سوريا في ثمانينات القرن الماضي، حين كانت علبة محارم كنار أو علبة سمنة الزهرة وكل المستلزمات التي اتُفق على تصنيفها ضمن الكماليات “جكارة” بالرأسمالية، حلماً يراود السوريين نتيجة الحصار الاقتصادي الشهير. فكانت طوابير الواقفين على أبواب المؤسسات الاستهلاكية مشهداً يومياً في طول البلاد وعرضها، تلك البلاد التي كانت تقاوم “أقسى المؤامرات الخارجية التي تريد إخضاع البلاد والنيل من قرارها واستقلالها عبر الحصار” كما كان يكرر مذيعون رصينون في نشرات الثامنة والنصف والحادية عشرة على مسامع الشعب يومياً.

لكن كل ذلك لم يكن ليردعني عن حلمي وطلبي المصنف ضمن فئة “التعجيزي” في حسابات عائلتي ومعظم العائلات التي لم تكن تجد ما يسد رمقها.

خلال ثلاثة أيام هي المدة التي قضاها أخي المسافر في العاصمة، حلمت عشرات المرات بأنه قد عاد بالفعل، وأن أول ما فعله فور وصوله أن فتح حقيبة الهدايا التي يتربع على واجهتها “بنطلوني الجينز الزيتي” .. أستطيع أن أحلف يميناً معظماً بأن السعادة الكاملة كانت حينها تتجلى بالنسبة لي على شكل “بنطلون جينز زيتي”..

ولكن هيهات منا السعادة، استفقت من أحلام اليقظة سريعاً. وصل أخي الذي حرصتُ على مرافقته منذ نزوله من باص الضيعة حتى البيت دون أن أتجرأ على سؤاله عن هديتي المنتظرة، أردت إطالة حلمي المستحيل، وماهي إلا دقائق حتى فُتحت حقيبة السفر لتصعقني واجهتها بخلوها من بنطالي الجينز الزيتي، كان ثمّة هدية بديلة عبارة عن رواية من الأدب الروسي بعنوان “والفجر هادئٌ هنا” للكاتب السوفييتي بوريس فاسيلييف!

كظمت غيظي وقبلت على مضض تبرير أخي بأنه لم يجد لي طلبي باللون الذي طلبته، ورفضتُ قراءة الرواية لأشهر قبل أن أستسلم وأقرؤها بمتعة قد توازي ربما متعتي المفترضة فيما لو حصلت على بنطالي الأثير ذي اللون الزيتي . لكن دون أن أعترف بذلك أمام أيٍّ كان، فقد بقي كل ما يتعلق بالمتعة والسعادة في خيالي محجوزاً لبنطالي المشتهى.

لم يتحقق حلمي بالحصول على بنطالي الجينز الزيتي إلا في بداية حياتي الجامعية عندما صادفتُ خلال تجوالي في أحد أسواق العاصمة طلبي حرفياً: بنطال جينز لونه زيتي يتربع على إحدى البسطات في الصالحية، لقد تحقق حلمي.. من قال بأن الأحلام لا تتحقق؟! قد تتأخر لست أو سبع سنوات ولكنها لا بد ستتحقق، يا لحظي ويا لسعادتي التي لا توصف، عدتُ طفلاً من جديد، طفلاً لديه بنطال جينز زيتي. اشتريت البنطال بلا تردد ودفعت ثمنه كل ما كنت أملك من نقود كان أهلي يرسلونها لي كمصروف شهري خلال دراستي الجامعية.

ولكن، ماذا أفعل لبقية الشهر، يا للهول، كيف أكمل العشرين يوما الباقية من دون مصروف، ماذا أقول لأهلي الذين كانوا يرسلون أقصى ما باستطاعتهم من الراتب الزهيد الذي تقبضه والدتي “معاش والدي الشهيد” والذي كانت “تقرّشه” كل ليرة بليرة لعله يكفي متطلبات سبعة أولاد أربعة منهم وقتها جامعيين!

كان الجواب لدى صديقي في السكن الجامعي، على شكل وظيفة في مقصف الطب البشري، حيث طلب إليّ العمل معه، وبالفعل تأنقت في اليوم التالي للذهاب إلى قسم “التسيير الذاتي” بالبرامكة لمقابلة المسؤول عن توظيفي، وكان الأمر. في الحقيقة كنت على يقين من نجاح الأمر؛ كيف لا وأنا أرتدي بنطالي الزيتي جالب الحظ؟

خلال عام كامل كنت أحرص على ارتداء البنطال إياه في العمل والجامعة وكل مكان أرتاده.. حتى بات إحدى العلامات المميزة لي في كل الأمكنة التي ارتدتها، كنت حينها مرادفاً للرجل الأصفر، كان هو الرجل الأصفر في حلب وأنا كنت الرجل الأخضر في دمشق، وبدقة “الرجل الزيتي”.

إلى أن حصل ما حصل، عندما غسلت بنطالي الزيتي ليكون جاهزا في اليوم التالي لمرافقتي في دوامي بالجامعة والمقصف.. نشرته على شرفة الغرفة 404 في الوحدة الأولى بالمدينة الجامعية حيث كنت أسكن لأستيقظ صباحاً فلا أجد له أثراً.. كانت شدة الرياح في ذلك اليوم الشتائي كفيلة بانتزاعه عن الحبل واختفائه بدون رجعة.

خلال أسبوع كامل، نصبتُ عينيّ كاميراتٍ للمراقبة والرصد على كل ما هو أخضر زيتي في المدينة الجامعية والجامعة، بل في الشوارع المحيطة بهما.

فشلت في العثور على فقيدي، ومنذ تلك اللحظة فارقني الحظ وجافتني السعادة، رسبت في السنة الجامعية الثانية وخسرت أحقيتي في السكن الجامعي وعملي في مقصف كلية الطب، وعدت إلى قريتي خائباً أنتظر مكسور الخاطر سنةً جامعية جديدة .

أستذكر اليوم هذه القصة وأنا أرى عشرات آلاف الأطفال والمراهقين السوريين في طول البلاد وعرضها يحلمون بما هو أقل من بنطلون جينز وأكثر منه إلحاحاً بكثير.. بيتٌ ربما أو عائلة أو بلاد.. نعم بلاد يعيشون فيها بأحلامٍ مؤجلة، في ظل حربٍ ترفض أن تندحر، وضائقة اقتصادية خانقة، أفكر: يا لحظي، كان لدي حلمٌ وقد تحقق وإن متأخراً، أما هؤلاء، فهم بلا حلم في نفس البلد الذي “يتعرض لأقسى المؤامرات الخارجية التي تريد إخضاعه والنيل من قراره واستقلاله” كما يكرر مذيعون غير رصينين في نشرات الأخبار منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف” !

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر