رسالة إلى شاب يريد تغيير العالم

حسام حامد

أنت شاب الآن، وتريد تغيير العالم. حسنٌ ولم لا؟! فهذا هو الوقت الملائم لذلك.

والحقيقة أن ثمة الكثير في هذا العالم مما يحتاج التغيير، في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، والسلوك الإنساني، اضطهاد المرأة، عمالة الأطفال، العنصرية، وضع المهاجرين، جشع الرأسمالية، انتشار الكراهية، انحسار القراءة، الاحتباس الحراري..

باختصار يبدو العالم الآن مقلوباً رأساً على عقب، وهو ينتظرك كي تعدله، وأنت بلا شك تملك الحماس والرغبة لفعل ذلك.

ولكن عليك أن تسرع، فبعد سنوات قليلة من الآن لن تفعل ذلك مطلقاً، ليس لأنك لن تكون قادراً، ولكن لأن أولويات طارئة سوف تشغلك. ستقول لنفسك وللآخرين (وسوف تكون محقاً أمام نفسك وأمام الآخرين) إنك تحتاج أولاً إلى أرض صلبة تقف عليها، إلى وظيفة تسندك في حربك المقدسة القادمة، وإلى بيت تقضي فيه استراحة المحارب، والأهم أنت بحاجة إلى يد دافئة تمدك بالطاقة، وبالطبع فلن يكسب حربه ضد العالم من يعجز عن كسب قلب امرأة.

ورغم ذلك لن تشغلك هذه الطوارئ عن مهمتك الكبرى، ولن يحبطك الكبار إذ يحاولون إخبارك أن المؤقت هو الدائم وأن الطارئ هو كل ما هنالك.

 سنوات قليلة أخرى.. وسوف تجد وظيفة، وسوف تشتري بيتاً، وسوف تكسب قلب امرأة، وسوف يحاول الكبار مجدداً إخبارك أن هذا هو عالمك الحقيقي الذي عليك التشبث به والذود عنه، غير أن كتبك التي لا تزال في متناولك (أو التي لا تزال أنت في متناولها) تخبرك عكس ذلك، فتظل روحك محلقة فوق وظيفتك وبيتك وامرأتك، ويبقى قلبك منذوراً للأمور العظيمة التي ستتفرغ لها قريباً..

ودون أن تعرف كيف أو متى بالضبط، تكتشف فجأة أنك بدأت بالهبوط في منحدر زلق، يقودك من “دونكيشوت” سرفانتس إلى “حضرة المحترم” نجيب محفوظ، حيث الحروب الصغيرة الشرسة على خلافة رئيس القسم، ومعك (أو بسببك) تنزلق امرأتك من (ريتا) إلى (صبرية) لتحولا معاً عش الحب إلى جحيم صغير تتبادلان فيه الصمت والأمزجة الكريهة..

وسوف يقول لك الكبار (وسوف تصدقهم هذه المرة، ذلك أنك صرت واحداً منهم) إن العالم خُلق هكذا، وسوف يبقى هكذا، مقلوباً رأساً على عقب، وأن كل ما عليك فعله، وكل ما تستطيع فعله، هو أن تعدل حياتك أنت، وبدلاً من تغيير العالم، عليك أن تغير وظيفتك وتغير بيتك وربما امرأتك..

ها أنت الآن وقد غدوت رجلاً عاقلاً، وقوراً، متصالحاً مع العالم، العالم الذي صار معتدلاً، فقط لأنك أنت أيضاً صرت تقف على رأسك وتمشي على يديك. وكذلك فقد صرت فيلسوفاً ساخراً، متشككاً، تملك قاموساً كافراً سميكاً ليس فيه إلا مفردة مقدسة واحدة هي: أنت.

ولكن لا فلسفتك المدعية، ولا سخريتك اللاذعة، ولا أناك المنتفخة.. سوف تنجح في طرد أشباح تلاحقك: أحلامك المغدورة التي تركض أمامها كما يهرب الخائف في كابوس. غير أنها لا تريد إلا أن تهمس في إذنك: خسارة.. لقد كنت مجرد واحد آخر انضم إلى القطيع.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر