تعريب التعليم الطبي لم يحصل في الستينات كما كنّا نعتقد

معهد الطب بدمشق بدأ بالتدريس باللغة العربية قبل قرن تماماً 

في عام 1903م أنشأ الأتراك معهداً للطب بدمشق، لغته التركية وأساتذته أتراك، وفي الحرب العالمية الأولى نقل إلى بيروت حيث رحل الآباء اليسوعيون عنها، فشغل معهدهم الطبي دار معهد اليسوعيين هناك، وبعد أن انتهت الحرب عاد اليسوعيون إلى معهدهم وتوقف المعهد الطبي.

أمّا معهد الحقوق فقد أُنشئ بعد مؤتمر بارس (18/6/1913م)، عقب الاتفاق الذي تم بين رجالات العرب وحزب الاتحاد والترقي في إنشاء تعليم عربي عال في البلاد العربية، فأسسوا مدرسة للحقوق في بيروت في 1/10/1913م وبدأ التدريس فيها بعد شهر من هذا التاريخ، وكان أغلب أساتذتها من الأكفياء العرب، وجعلت لغة التدريس هي العربية لمواد (المجلة وأصول الفقه وأحكام الأوقاف والوصايا والفرائض والزواج)، أمّا بقية المواد فقد جعل التدريس فيها بالتركية. وأقبل الطلاب عليها ثم نقلت المدرسة خلال الحرب العامة (1914-1918) إلى دمشق، ثم أُعيدت إلى بيروت، فلمّا انتهت الحرب ودخل الفرنسيون بيروت كان الطلاب والأساتذة قد تشتتوا وورثت الجمعية اليسوعية مخلفات مدرسة الحقوق بمساعدة السلطات الفرنسية.

فلمّا كانت النهضة في عهد الحكومة العربية، هب الطلاب القدامى من المعهد الطبي ومدرسة الحقوق يطالبون بإعادة المعهدين وإنشاء الجامعة، وجاهد طلاب الصف الأخير من المعهد الطبي جهاد الأبطال، وعقدوا الاجتماعات في النادي العربي وغيره وألفوا الوفود، وعضّد طلبهم مدير المعارف العامّة حينئذ، وحملوا الحكومة الفيصلية على إنشاء الجامعة من هذين المعهدين، وهكذا ولدت نواة الجامعة من هذين المعهدين، وكان أكثر أساتذة المعهد الطبي من الأطباء العسكريين. وافتتح المعهد الطبي العربي في الشهر الأول من عام (1919م) ثم افتتح معهد الحقوق في الشهر التاسع من نفس العام، وكان شرط الحكومة في تسمية الأساتذة أن يحسنوا التدريس باللغة العربية لأنها اللغة الرسمية للجامعة. وهنا بدأ تاريخ:

كان على الأساتذة أن يجسدوا ما عمر قلوبهم من حماسة وغيرة وإخلاص وإيمان بعربيتهم عملاً محسوساً ليوائم في متانته وأصالته ما يبذل بقية الرجالات في هذا العهد التأسيسي لدولة عربية ناشئة، فعكفوا على الترجمة من اللغات الأجنبية، وأكثر ذلك كان عن التركية والفرنسية، ثم درسوا للاستفادة آثار معهدين طبيين كانا بذلا جهوداً طيبة في التعريب: أحدهما معهد الجامعة الأميركية وقد عرفت أن تدريسها كان بالعربية حين إنشائها واستمر بضع سنين، كان أبطال التعريب من أساتذته: الدكتور بوسف والدكتور ڤانديك والدكتور ورتبات، ولهم تواليف عربية في الطب والنبات جيدة، لها قيمتها فيما خص المصطلحات حتى الآن. وثانيهما مدرسة الطب المصرية التي بقيت مدة طويلة تدرس بالعربية، وترك أساتذتها الذين أوفدوا للتخصص أيام محمد علي تواليف بالعربية في كل الفروع.

ثم بحثوا فيما وصل إليه وسعهم من كتب الطب العربي القديم يستخرجون منه المصطلحات الممكن استعمالها، حتى تبقى الصلة محكمة بين لغة الطب القديم والحديث، وبعد هذه الخطوة أخذوا يتذاكرون في وضع المصطلحات الحديثة مفيدين كل الإفادة من مرانة اللغة العربية في الاشتقاق والمجاز، موائمين ما أمكن بينها وبين معانيها. ثم شرع كل ذي فن منهم يستقل في وضع مصطلحات فنه مستفيداً من آراء الآخرين، واتسع العمل وأحكم مع الزمن حتى صار لكل فرع من فروع الطب معجمه الخاص فنجد مثلاً للدكتور أحمد حمدي الخياط مؤلفه الضخم (فن الصحة والطب الوقائي) في ثلاثة أجزاء قد ختم بستين صفحة فيها معجم المصطلحات الخاصة بالكتاب، أمام كل مصطلح عربي مقابله الفرنجي وأمام كل مصطلح فرنجي مقابله العربي، وليس هذا موضع تفصيل ما أسدى أساتذة الطب في الجامعة السورية من فضل كبير إلى الأمة العربية وإنما ضربنا مثلاً لثمرة ما بذر في هذا العهد. وحسبك أن تعلم أن جهودهم المتصلة أثمرت أطيب الثمار، لا في سورية فحسب، بل في كل الأقطار العربية. لقد كان هؤلاء الخريجون ينشرون الطب والعربية معاً. وهي رسالة الرعيل الأول من أساتذتهم أقاموها على الأسس المتينة في العهد الفيصلي واستمر خيرها يتصل إلى الآن.

ولا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أن الذين كانوا يتقنون العربية من أساتذة الطب في هذه الفترة هم قلة أشهرهم الدكاترة أمين المعلوف وعبد الرحمن شهبندر ومرشد خاطر وأحمد حمدي الخياط وعبد القادر سري، ولمن استقر منهم في المعهد آثار جليلة بدأت في هذا العهد ثم تتابعت؛ أما الباقون فيستحقون أعظم الثناء لأنهم أخذوا على أنفسهم أن يحملوا الرسالة مع زملائهم؛ وبذلوا جهوداً صادقة في تعلم العربية على كبر السن، حتى استطاعوا أن يدرّسوا فنونهم بها، وهذا غير قليل.

وقل نحواً من هذا في عمل معهد الحقوق الذي حظي أيضاً بأساتذة كبار ضليعين في اللغة العربية ضلاعتهم باختصاصاتهم.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر