كلاب بارّة تعوض هجرة الأبناء وقطط لطيفة تخفف قسوة الحياة

الحرب تقسم الحيوانات أيضاً لطبقتين: مدلّلة في البيوت ودريئة في الشوارع

زينة شهلا

يُقال بأن الحرب، أي حرب، تقتل البشر والحجر، وتأكل الأخضر واليابس، في إشارة لعدم نجاة أي شكل من أشكال الحياة التي نعرفها من نيران الحروب المستعرة وعنفها وشرورها. لكن ماذا عن حيوات يندر أن يلتفت إليها أحد في حضرة الموت والدمار؟

بملاحظة بسيطة، لا يصعب تتبع آثار الحرب التي نعيشها في سوريا منذ أعوام على الحيوانات الأليفة الموجودة في كل مكان حولنا. من تحولها إلى الرفيق الوحيد الذي يؤنس وحدة ويواسي حزن أشخاص فقدوا أحبتهم، إلى “برستيج” بات يقتضي تربية أفخر أنواع الكلاب أو القطط ومجاراة آخر صيحات الموضة في هذا المجال، وصولاً إلى حالات عنف بالغة الشدة لا بد وأننا نصادفها بشكل شبه يومي في طريقنا مع أطفال يضربون قطاً أو يتسلون بقلع عين كلب صغير، تبدو الحيوانات الأليفة اليوم بدورها ضحية ما عشناه واختزنّاه خلال السنوات الثمانية الماضية، من فقد وعنف وتغيرات اجتماعية هائلة العمق.

ضحية وحدتنا وعنفنا ونزعتنا للتباهي

في واحدة من العيادات البيطرية بدمشق، ينتظر أبو هاني وأم هاني دورهما كي يفحص الطبيب كلبهما الصغير الذي له من العمر حوالي سبعة أعوام، ويداعبانه بكل رقة وهما يشرحان حاله في الأيام الأخيرة: احتمال التهاب في الأمعاء.

ويستغرب الزوجان الستينيان لدى سؤالهما عن سبب تعلقهما الكبير بحيوانهما الأليف، فيجيب الرجل: “الكلب أحنّ من الناس”، وتضيف زوجته: “الولاد بيروحوا، بس الكلب بيبقى”، في إشارة لسفر جميع أولادها بعد الحرب وبقاء الكلب الصغير معهما في المنزل، وكأنه الابن الذي يأبى مفارقة والديه.

ويرى الزوجان بأن سوريين كثر، وخاصة ممن بلغوا سن التقاعد مثلهما، باتوا يلجؤون لتربية حيوان أليف واحد على الأقل، لكسر رهبة الوحدة في حال سفر أو غياب الأولاد والأقارب والأصدقاء. استنتاج يصعب التأكد من صحته، وتختلف الآراء حوله. وبكل الأحوال، لا يمتلك جميع أصحاب الحيوانات الأليفة محبة وحنان أبو هاني وأم هاني تجاه أصدقائهم الصغار، فبعضهم يقتني الحيوان على سبيل الموضة، وآخرون لا يمانعون في التخلي عنه لأي سبب كان.

ويتحدث نوار سعود، الذي يمتلك محلاً لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة في حي القصاع شرق دمشق، عن تضاعف أعداد مربي الحيوانات الأليفة بشكل ملحوظ للغاية خلال السنوات الأخيرة. وإذا كانت دوافع بعضهم نابعة من التعلق بالحيوان الأليف كشريك يبعد شبح الوحدة والاكتئاب، إلا أن قسماً كبيراً منهم، بحسب تقديره وتعامله اليومي مع الزبائن، يفعل ذلك انطلاقاً من “البرستيج” الاجتماعي لا أكثر، كأمهات يرغبن بشراء قط لتسلية أطفالهن أثناء العطلة الصيفية، وشبان يتسابقون في اقتناء الكلب الأجمل رغم وصول أسعار بعض الحيوانات، خاصة المستوردة، لأكثر من نصف مليون ليرة. “للأسف معظم هؤلاء الزبائن لا يدركون صعوبة تربية حيوان أليف والمسؤولية التي يلقيها ذلك على عاتقهم، وينتهي بهم المطاف لمعاملته بشكل سيء وحتى التخلص منه بطرق شنيعة، كرميه من الشرفة مثلاً”، يضيف الشاب بلهجة غاضبة.

وهنا تعتقد الأخصائية النفسية ديمة نقولا، خلال حديث مع “الأيام”، بأن لجوء السوريين لتربية الحيوانات الأليفة لم يتزايد وإنما على العكس تناقص في السنوات الأخيرة، نتيجة التكلفة المادية الكبيرة أو الاضطرار للسفر، أو عدم القدرة على تحمل المزيد من المسؤولية، “من ملاحظاتي الشخصية واهتمامي باعتباري من مربي القطط في المنزل، كثيراً ما نلتقي بأشخاص يشترون حيواناً دون معرفة مسبقة بحاجاته، وبعد أشهر يسأمون منه فيرمونه في الشارع”.

إضافة لذلك، ينتبه العديد من المهتمين بالحيوانات الأليفة والعاملين بالمجالات المختلفة المتعلقة بها إلى تضاعف حالات العنف الممارس على تلك الحيوانات خلال السنوات الأخيرة، وكأنها انعكاس للعنف الكامن داخل السوريين أنفسهم.

وتشير الأخصائية نقولا إلى مشاهدات مؤسفة لأطفال يعاملون حيوانات أليفة بعنف وحشي بالغ، وتعزو ذلك للتربية والبيئة ومشاهد العنف التي يتعرضون لها، وعدم وعيهم بأهمية احترام الحيوان ككائن حي له روحه وحياته.

ويتفق سعود، الذي يعمل في هذا المجال منذ حوالي سبع سنوات مع رأي الأخصائية، حيث يشير إلى ازدياد العنف تجاه الحيوانات من الجميع، كباراً وصغاراً، بل وحتى تشجيع بعض الأهالي لأولادهم على ممارسة هذا العنف، “فما أسهل أن نرى أباً يحفز ابنه على ضرب قط أو كلب في الشارع بقوله: برافو بابا برافو!”.

ويذكر الشاب الثلاثيني حوادث عديدة ضمن هذا السياق، ومنها لجوء أهالي حي المزة منذ أشهر لتسميم عشرات الكلاب الهاربة من مدينة داريا غرب دمشق، والتي شهدت أحداث عنف دامية خلال سنوات الحرب، تحت ذريعة “واجب التخلص منها بعد أن اقتاتت على الجثث”.

ويرجع سعود هذه التصرفات للتربية الخاطئة وعدم وجود وعي اجتماعي بكون الحيوان الأليف كائناً حياً يمتلك روحاً، ويخاف ويهرب من الحرب والعنف كما الإنسان، إضافة للافتقار لقوانين تعاقب من يقدم على إيذاء الحيوانات الأليفة، مما قد يشكل رادعاً لغيره.

أسباب نفسية واجتماعية

يؤكد الطبيب البيطري حسين أبو الجدايل، في حديث مع “الأيام”، زيادة نسبة مقتني الحيوانات الأليفة خلال السنوات الثمانية الأخيرة بشكل ملحوظ، على الأقل مما يلاحظه في عيادته الكائنة بمنطقة المزة بدمشق، ويعزو ذلك لأسباب عديدة.

من هذه الأسباب قدرة الحيوان الأليف على امتصاص نوبات الغضب والحزن ومنحه صاحبه حالة من الهدوء والسكينة، أو ملء الفراغ بعد فقدان أفراد العائلة أو خسارة العمل، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى التعلق بالحيوان الأليف بشكل واضح. وهنا يشير الطبيب إلى ملاحظته توجه الفتيات وخاصة غير المتزوجات لاقتناء القطط أو الكلاب صغيرة الحجم، والتي يرتفع ثمنها تبعاً للحالة المادية لمن سيقتنيها.

ولا يغفل المتحدث دور وسائل التواصل الاجتماعي والتي ساهمت بنشر قصص الحيوانات الأليفة التي تحتاج للمساعدة، مما يدفع ببعض المهتمين، خاصة في مدينة دمشق، للمبادرة وتبني تلك الحيوانات أو على الأقل تقديم الطعام والطبابة لها.

وفي المقابل، ينوه أبو الجدايل إلى حالات معاكسة اضطر فيها أشخاص للتخلي عن حيوانهم الأليف نتيجة النزوح والانتقال من بيت العائلة لبيت أصغر بالأجرة، أو تحت ضغط العامل المادي، فتكلفة تربية الحيوان والتي تتضمن الطعام والأدوية ومستلزمات العناية، والتي قد تصل حتى 15 ألف ليرة شهرياً، ما عادت بمتناول الجميع بعد سنوات الحرب والاستنزاف الاقتصادي المرافق لها.

وبتفصيل أكثر تشرح الأخصائية النفسية سلام قاسم لـ “الأيام” عن التغيرات التي تحملها الحروب عادة لسلوك الإنسان، فيميل للعزلة والبعد عن الآخرين وعن العلاقات الاجتماعية بشكل عام، مما قد يدفعه لاقتناء الحيوان الأليف إما بهدف التسلية أو لتخفيف التوتر والقلق وحتى علاج الاكتئاب.

وتضيف الأخصائية، التي تعمل مع جمعية تنظيم الأسرة، أن الحيوانات تتقبل البشر بكل حالاتهم النفسية، وامتلاكها يعني وجود شريك يومي لا يجادل أو يناقش، كما أن الانشغال بالعناية والاهتمام بها قد ينسي الضغوط والمشاكل النفسية ويخفف الآلام الناتجة عن فقدان الأحبة أو يعوض عن عاطفة الأمومة لدى النساء، كما يساعد في تحسين المزاج، خاصة الحيوان الذي يحتاج للمشي يومياً مما يساعد صاحبه على الخروج والحركة وممارسة النشاط الجسدي.

ولا يعني ذلك كما تقول المتحدثة عدم وقوع الحيوانات الأليفة ضحية التقليد الأعمى أو الرغبة بالتباهي والتفاخر لدى بعض المقتنين، والذين باتوا يطبقون مقولة “ما حدا أحسن من حدا”، ويلجؤون لتربية الحيوانات خاصة الكلاب رغبة بمجاراة الآخرين، سواء من يعيشون معهم في نفس المكان أو من يتواصلون معهم عبر الفضاءات الافتراضية.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر