عالم العميان العريض

براءة الطرن

تجلس بارتخاء، تمسك الهاتف المحمول باليد اليمنى، تشدّ صفحة الفيسبوك إلى آخرها بإبهامك الأيمن ثم تفلتها لتحدثّ آخر أخبارها، بلا مبالاة، وبغير اكتراث لما يجري في التطبيق الذي لا تستطيع الخروج منه رغم ذلك، أنت مثلاً لست من أولئك الذين يمسكون هواتفهم باليد اليسرى، ويحركون ما يجري بالسبابة اليمنى، موظفين أصابعهم، وأعصابهم كي لا يفوتهم تعليق، أو مشاركة.

في كل مرة تحدّث فيها الصفحة، وهي مرة كل عشر دقائق ـ تقريباً ـ سيكون ثلاثة من خمسة أصدقاء لديك قد نشروا منشوراً، وعلى الأغلب سيكون واحد من تلك المنشورات أدبياً، يندرج في تصنيف صاحبه على أنه “نص”، أو اقتباس مما يسميه الابن الأول، دون أن يعطينا تلمحياً عن والدي المولود، اسمه، وفكرته، تتراوح تلك النصوص بين طويل لدرجة ذكر “قراءة المزيد” مرتين، متوسط، ولا يتعدى الثلاث جمل، يختلط عليك الأول فتظنه قصة قصيرة، الثاني قصة قصيرة جداً، والثالث شعراً لا يسبح في بحر، ولا يتشبث بقافية.

قبل أن تقرأ ـ إن كنت على استعداد للقراءة ـ ستسأل سؤلاً لا بد منه “من أين لنا كل تلك الأفكار” سيما أنك لم تطلع بعد على أن جميعهم يحومون حول فكرة، أو اثنتين، يختلفون بطرق متشابهة، ويتشابهون حد الملل، وستسأل أيضاً “من أين لنا كل هؤلاء الكتاب”، قبل أن تعرف إن كانوا كتّاباً حقاً، متعدين على الكتابة، أم سارقين، قبل أن تعرف إن كانوا متمكنين من لغتهم، يتقنون جذبك، يستخدمون أدوات صحيحة، أم لا، هل نصوصهم جيدة، أم أنها سيئة بشكل جيد!

لماذا يكتبون؟ ما الذي يدفع أولئك الأشخاص لتوثيق حيواتهم اليومية؟، فضح خيالاتهم، وأفكارهم المدفونة في عمق اللا وعي، نشرها في فضاء رحب، أمام عين الجار، زميل العمل، وصديق الطفولة؟ ما الذي يدفعهم لتدوين مشاعر الحزن، والصبابة دون خجل، ذكر الدموع أكثر من مرة؟ وهم الأشخاص ذاتهم غير القادرين على ذرف دمعة واحدة أمام الآخر.

 يجيب كونديرا في كتابه “الضحك والنسيان” عن تلك التساؤلات التي باتت تعكر صفو تصفحك، فيقول “نحن نؤلف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا، نخاطب عالماً مجهولاً لأن زوجاتنا تغلقن آذانهن عندما نكلمهن”، وفي حين كان تأليف الكتب عصياً على أبناء هذا العصر، وكان الفيسبوك نافذتهم إلى العالم تساوى ما يكتبوه هنا بما قصده كونديرا هناك، أياً كان مستوى جودته، وأياً كان محتواه، لأنه ذاته من أطلق لقب “هوس الكتابة الكوني” على ما يحصل قبل أن يحصل.

يكتبون إذاً لأن أحداً لم يهتم بهم كما يجب، ولأن الآذان مغلقة من حولهم، فالجار لا يرغب في أن يستمع لكوابيس جاره، وزميل العمل غير مهتم بالإنصات لحالة العشق التي وقع بها زميله، كما أن صديق الطفولة أصبح في عالم آخر كلياً، عالم لا تصل إليه الكلمات منطوقة، بل مكتوبة.

إن العالم لم يعد ضيقاً، وصغيراً كما يقول المعلنون عن اختراع جديد، بل صار واسعاً، وخاوياً تتردد فيه كلماتنا بلا مجيب، وحده الصدى يعيد على مسامعنا ما قلناه، فنلجأ للكتابة لأنها الأكثر حفظاً، ولأن في داخلنا قناعة بأننا نستحق أن نعلق في أذهان الناس، وأن تعلق كلماتنا بما فيها من جمالية على جدران الفيسبوك كما تعلق اللوحات على جدران الغرف.

وكما تتحول كل الأشياء، الكتابة كانت دواء لم يلبث أن تحول إلى داء من جديد، فمع كثرة الكتاب، وكثرة الأشخاص المؤمنين بأن تجربتهم الأكثر جدارة لم يعد لدينا قراء، مثلما لم يعد لدينا مستمعون من قبل، وصار عدد المتفاعلين مع ما يكتبه الآخرون قليلاً، كما صارت أغلب القلوب المنشورة في التعليقات قلوب مجاملة، وباهتة، على الأخص أننا عرفنا كل ما نحتاج إلى معرفته منذ التجربة الأولى.

تحدّث صفحة الفيسبوك بالسبابة اليمنى هذه المرة، تتجاهل ما كتبه الأصدقاء المستحمّون بعواطفهم، تصل إلى مربع “بم تفكر”، تستعير جملة دون أن تتذكر صاحبها، وتبعيتها السياسية في تلك الفترة، وتكتب لتشارك ما يجول بخاطرك، ليسمعك أحد: “كلن كتّاب، من وين بدنا نجيب قراء”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر