أصل الشرور

براءة الطرن

كانت القناة الثانية على ما أذكر تعرض فيلماً سينمائياً كل خميس، وكانت الذائقة الفنية للموظف على ما أذكر أيضاً سيئة جداً، ومتأخرة، على الأخص أنه يختار أفلاماً عفى عليها الزمان ومضى، لتتناسب مع روح المحطة أولاً، وميزانيتها.

كان ذلك سبباً رئيساً لازدهار مهنة جارنا الذي اختار استغلال واسطته المدللة التي أدخلت الانترنت إلى منزله قبل أن يفهم البعض آلية عمل تلك الشبكة العنكبوتية، وأتقن تحميل الأفلام بكافة أصنافها، وجنسياتها، وضعها على أقراص مضغوطة، وعرضها للبيع، أو الاستئجار بنصف السعر شريطة إعادة القرص في اليوم التالي.

لم يكن جارنا الوحيد في تلك المهنة، لكنه كان الأفضل حتماً كما كتب على واجهة محله، فجودة الأفلام لا تضاهيها جودة، الترجمة لا عيب فيها سوى أنها تساوي بين كل الشتاتم وتجعلها مجرد “تباً” الأقراص مرتبة في رفوف عريضة، وعلى كل رف بطاقة كتب عليها نوع الأفلام الموجودة فيه، كان رف “الأكشن”، والجريمة الأكثر زيارة.

الرف نفسه الذي اخترت منه فيلم العراب، والذي أرجعته بعد عدة أيام بحماس لا علاقة للفيلم به، حماس التلميذ الذي صحح غلطة أستاذه في كتابة عنوان الدرس، وضعته في رف الأفلام العائلية، كنت مصرة على ذلك رغم تأفف الجار، واضطراره لمسايرتي احتراماً للجيرة، ولحماس المراهقة.

لم تكن ميزة فيلم العراب بأجزائه الثلاثة في كونه فيلم مافيا ـ حسب رأيي الشخصي ـ ولم تكن الحبكة في الأسلحة، والمخدرات، كما لم يكن سبب خلوده تلك العروض غير القابلة للرفض التي يعرضها الزعيم الأب على أعدائه لاستمالتهم، كان الأب بوصفه رأس العائلة، والعائلة بحد ذاتها الحبكة، وسبب الخلود، كما كان الحوار وفي عدة مواضع دليلاً جيداً لأولئك الراغبين في تكوين أسرة، ودليلاً دامغاً على تصنيفي الطفولي، على الأخص جملة “كورليوني” التي تترجم إلى “يمكنك أن تفعل أي شيء، لكن لا يمكنك الوقوف بوجه العائلة”.

أعدت الفيلم عدة مرات بعد أن كبرت، وبعد أن أصبح لدينا “ستلايت” يعرض على قنوات الأفلام المختلفة، والتي أجمعت كلها على إعادة العراب مرة كل شهرين تقريباً، وفي كل مرة كانت تلك الجملة تثير حفيظتي، لأني وبمنطق الطفلة ذاتها أعرف أن العائلة التي تتاجر بالآخرين، وآلامهم هي عائلة سيئة حتماً، وأن الفرد الرافض لتصرفاتها فرد جيد حتماً.

وفي حين كان الفيلم مدخلاً إلى هذه الفكرة، كانت الفكرة مدخلاً إلى قلب العائلة، أول عقد يرتديه الإنسان في عنقه متزيناً، ثم ما يلبث أن يتحول إلى قيد يكاد يخنقه، فيتحكم في تصرفاته، فكره، وتوجهاته، ويمنع عنه أي ثورة على ما يتجاهل حريته، كما يمنعه من تصويب تصرفاته، وتصرفات أفراد العائلة، نصحهم، ومناقشتهم فيما يفعلون، إن القيد الأول يمنع الإنسان عن أن يفهم الفرق بين الاحترام، والطاعة، كما الفرق بين ما يمليه القلب، والعقل.

المؤمنون بالمساواة بين أبناء الوطن الواحد، المتبنون أكثر الأهداف سمواً، وأعلى الأفكار شأناً خير مثال حين يكونوا قادرين على أن يغفروا لأبيهم سرقة موارد الوطن الواحد ذاته.

هؤلاء غير القادرين على فهم كون الأب، الأم، والإخوة أناس، غير القادرين على فهم خطأ الإنسان، وواجبه في تصحيحه أياً كان محباً، أو محبوباً يدخلون الحياة بحبال تشدهم، وتؤذيهم قبل الآخرين، يقدسون العائلة، وأغلاطها، ثم يتوارثونها، فيتحولون إلى “كورليوني” الابن، يعيدون سيناريو الفيلم، حقيقة، لا تمثيلاً.

العائلة دوماً على حق جملة غير محقة، أن تفعل كل ما يخطر ببالك إلا المساس بالعائلة غير محق، تصنيفي للفيلم غير محق.

الفيلم جريمة، جريمة ممتعة كالإيمان الأعمى بالعائلة، نتداولها بابتسامة.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر