رؤية المهزومين

براءة الطرن

الرهان في الحرب النجاة، الرهان في النجاة أقل الخسائر الممكنة، بأقل تغيرات جذرية متاحة، وفي الحين الذي أعلن فيه العالمون بأحوالنا انتهاء الحرب، وانتقالنا من ضحايا إلى ناجين، كانت الأمهات هن أكثر الضحايا صدقاً، القادرات على كشف زيف الكذبة، وركاكتها، وأكثرهن هشاشة، هنّ الأكثر تغيراً، أصبن في نقطة اللا عودة، فعلقوا بين رحمين، ولادتين، وحرب.

أكثر آثار الحرب إيلاماً أن الأم لم تعد أماً، وكفّت بغير قصد عن ذاك الدور الذي أتقنته لقرون، الدور الذي لطالما أثار غضب الأبناء، ودفعهم لقضم أظافرهم، وكظم غيظهم، وعدم قول “أفٍ” رغم استحقاقها أحياناً.

كفّت الأمهات عن جمع أطقم الفناجين المذهبة، كؤوس الكريستال، عرضها في خزانة مكشوفة، ومنع الأبناء من التفكير في استخدامها، تخبئة علب المعمول للضيافة، وتسكيت جوع الأولاد بحلوى أقل مستوى، وأرخص ثمناً، فصل الموالح، والمكسرات إلى نوعين يظهر بينهما تفاوت طبقي، نوع فاخر للضيوف ذوي الشأن، وآخر أفضل ما فيه بزر دوار الشمس.

كفّت عن المبادرة إلى زيارات الواجب، دفع “النقوط”، التطريز، توضيب شُنط الجهاز للبنات قبل بلوغهن، كما لم تعد تبالي بأن تجرح المقلاة، “تيفالاً” كانت، أم “ميد إن سبينة”، إعطاء قرص الكبة الأول الفارط للولد الأكبر، منع ارتداء الثياب الجديدة إلا في العيد حصراً، تدوير الأغراض بين الأخوة، الإصرار على المسلسل، قطع الرسوم المتحركة، دخول الغرفة دون استئذان، المقارنة بابن العمة، وابن الخال.

كفّت الأمهات عن الصلابة التي لطالما احتجناها لنكبر، وننضج، صار الدلال واجباً ضمن المتاح، وصرنا نحن الأولوية، لم يعد قطرميز المكدوس يخبئ في زاوية غير مرئية لآخر الموسم، البطاطا المقلية شبه المحروقة نصيبنا، والعصائر مخلوطة بماء أكثر مما تشرحه طريقة التحضير.

جربت الأم كيف يكون الأبناء هم الراحلين أولاً، وخافت، خافت أن نرحل بعيداً، أو نرحل بعيداً بلا عودة.

خافت علينا، وخافت منا.

أن تخافنا أمهاتنا ليست نجاة، هذه شر هزيمة!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر