الفاتنة المتألمة

براءة الطرن

في الثالثة من عمره يكتشف الطفل محيطه، يتجه الصبية عادة لسرقة مفاتيح الأب، اللعب بها، تقليد انشغاله، وعصبيته حين يرميها على الطاولة بلا حذر، بينما تتجه الفتيات لخزانة الأم فترتدي ثيابها، حليها، وتقلد تصرفاتها بطريقة لا تكتمل إلا عند انتعالها لحذاء والدتها، الحذاء الساحر، ذو الكعب العالي.

تتعثر الطفلة عند ارتدائه، وغالباً ما تقع، مع ذلك تعيد الكرة، بإصرار أكبر على محاكاة توازن الأم، وقدرتها على الثبات، مما يجعل احتمال الوقوع ثانية أكبر، الفشل الذي يصيب الطفلة في أنوثتها الفطرية، فتعوضه في أن تضع أحمر الشفاه بإتقان مثلاً.

لطالما كان الكعب العالي محيراً، ولطالما كانت قدرة النساء على تحمل ذلك الاعوجاج في مشط القدم، الألم، والكدمات الأشبه بكدمات راقصات الباليه تثير فضولي، الفضول الذي زاده تخلي صديقتي عن عملها لسبب يبدو لمن يعرف اسم الشركة ترفاً، ورفضاً للنعمة، مدير الشركة يلزم الموظفات ارتداء الكعب العالي.

إن من يبحث على الانترنت عن جملة “أول من صنع الكعب العالي” ليعرف ما أرغب في معرفته، ستفاجئه تلك المعلومة التي تقول أن الأحذية ذات الكعب العالي هي رجالية في الأصل، ولكن النساء خلال ثورتهن للمساواة بالرجل، والتشبه بهم أصبحن ينتعلن تلك الأحذية، لا بل واقتربن من احتكارها حتى بات الحذاء الرجالي ذو الكعب العالي نادراً، وصادماً.

إذًاً هي ثورة النساء على الرجال، وكما لا بد لكل الثورات الصحيحة من حركة تزيد تصحيحها، كانت صديقتي، وكل النساء اللواتي رفضن انتعال هذه الأحذية، ورفضن تحمل أي مشقة غير مبررة، فانخرطن في حياة عملية، وسريعة، يركضن فيها بأحذية رياضية، بشكل أشبه باستبدال موعد غرامي في مطعم فاخر، نبيذ معتّق، وموسيقا كلاسيكية، بوجبة سريعة، زجاجة كولا، وضجيج السيارات على حافة الطريق.

أظن المفهوم الشائع عن كون الأحذية ذات الكعب العالي تزيد طول المرأة ليس إلا مفهوماً خاطئاً، إن أقل الكعوب استعمالاً وهو كعب سبعة سنتيمترات لن يضيف سبعة سنتيمترات على طول السيدة، بينما يجبرها على رفع رأسها سبعة سنتيمترات، يزيد ثقتها بجسدها سبع مرات، يبالغ في تدوير ردفيها، يشد ساقيها، ويدفع صدرها إلى الأمام في حركة أقل ما يقال عنها أنها فاتنة، إن هي أتقنت السير به فعلاً، وأتقنت في المقابل عزف الموسيقا الخاصة بها، وأثارت حاسة أخرى غير البصر.

ذلك أن دينو بوتزاتي على سبيل المثال وفي قصته القصيرة الأكثر شهرة “المسجلة”، كتب عن بطل أسكت بارسيل، باخ، موزارت، وبالسترينا، ليسمع طقطقة كعبي حبيبته!

لم يكن الحذاء ذو الكعب العالي ثورة النساء على الرجال، معلومة خاطئة كما أغلب المعلومات على “غوغل”، إنه ثورة النساء على كل الأشياء، تصريحهن بأنهن قادرات على لوي أقدامهن في سبيل الجمال، بل وقادرات على لوي ذراع الجمال نفسه أيضاً.

الطقطقة شيفرة تترجم إلى “أتألم لتراني فاتنة”، “أجبرك على الاعتراف بذلك”، أجبر العالم كله..

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر