وللمسرح المستقل تجاربه الملهمة أيضاً

زينة شهلا

في قبو فسيح يقع على أطراف مدينة جرمانا بريف دمشق الشرقي، ينشغل عدد من المسرحيين، مخرج وممثلون ومدربون ومتدربون وفنيون، بالتمرن على مدار الساعة وأيام الأسبوع تحضيراً لتخريج دفعات جديدة من الممثلين الجدد. على باب القبو الخارجي وجدرانه الداخلية وُضعت ملصقات كبيرة كُتب عليها: “مدرسة الفن المسرحي”، مع عناوين لعروض مسرحية مختلفة.

صالة كبيرة لتمارين الليونة وتدريبات الرقص والحركة، وأخرى مهجزة لتكون مسرحاً يمكن الاستفادة منه في التدريبات أو تنفيذ العروض المسرحية حيث تتسع مدرجاتها الخشبية لخمس وخمسين كرسياً، إضافة لغرف أخرى تستخدم كمستودعات للألبسة والأكسسوارات والتجهيزات الفنية والصوتية، ومطبخ صغير لإعداد الأطعمة والمشروبات. هي كل ما لزم المخرج سمير عثمان الباش ليُطلق عام 2015 مدرسته الفنية، التي يفخر بأنها من المساحات النادرة في سوريا، والتي تتيح لأي راغب في تعلّم التمثيل باحتراف، بمتابعة شغفه حتى النهاية وبشكل أكاديمي شرط امتلاك الموهبة والقدرة على ذلك.

عامان لتأهيل فني أكاديمي

إذاً، فتحت مدرسة الفن المسرحي أبوابها في جرمانا منذ حوالي أربعة أعوام، وهي جاءت استكمالاً لمشروع حمل الاسم ذاته منذ العام 2009، وخرّج دفعتين من الطلاب من مقرّه القديم بحي القنوات، قبل أن يضطر للتوقف نتيجة تدهور الأحوال الأمنية في المدينة، وما نتج عنه من صعوبة في الحركة وخطر مباشر على الحياة.

“عام 2015، قررت التوقف عن التدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، والتفرّغ لهذا المشروع بشكل جدّي ونهائي وإعادة إحيائه من جديد”، يتحدث الدكتور سمير الباش للأيام خلال لقاء داخل مقر المدرسة.

ويشرح الباش –وهو خريج الأكاديمية الروسية للفنون المسرحية- عن آلية العمل في مدرسة الفن المسرحي بشكل مفصّل: “عند فتح باب التسجيل نتلقى ما لا يقل عن ستين طلب انتساب، وعبر امتحان يتم بمساعدة لجنة من الخبراء المسرحيين ومنهم بسام كوسا وميادة حسين ومحمد عبد العزيز نختار المتقدمين الأنسب والذين لا يتجاوز عددهم الثلاثين شخصاً، لنبدأ معهم عامين كاملين من التدريب والتأهيل”.

يتضمن برنامج المدرسة المبني بطريقة أكاديمية وبإشراف لجنة استشارية من الخبراء، مزيجاً من الدروس العملية والنظرية في التمثيل والحركة والليونة والصوت والأدب والمكياج، والتي تتطلب حضوراً لعدة ساعات وبشكل يومي تقريباً. أما مدة البرنامج كاملاً، فهي عامان يتوَّجان بمشروع للتخرج، هي أقل مدة ممكنة لإعداد ممثل محترف وتأهيله بالمهارات المطلوبة لينطلق في حياته العملية، وبشهادة تمنحها المدرسة التي تعمل كتجمع فني تابع لنقابة الفنانين.

هنا، يركز الباش على هوية هذه المدرسة التي يعتبرها رديفاً للمعهد العالي للفنون المسرحية والذي يتقدم إليه كل عام مئات الطلاب، لا يُقبل منهم سوى العشرات. “ما الحل بالنسبة لبقية الراغبين بدراسة التمثيل؟”، يتساءل المخرج ويجيب بأن مدرسة الفن المسرحي تقدّم خياراً آخر ذا طابع أكاديمي خاصة لمن تجاوزوا سنّ التقدم للمعهد العالي وهو اليوم 21 عاماً، دون أن يغفل التنويه لعقبة شهادة التخرج التي لا توازي بكل تأكيد شهادة المعهد العالي المعترف بها من المؤسسات الرسمية السورية، في حين أن شهادة المدرسة تفيد بإبراز الخبرات والمهارات التي اكتسبها الطلاب، وقد تدعمهم في حال سفرهم لاستكمال دراستهم خارج سوريا.

كيف يمكن دعم هذه المساحات المستقلة؟

تواجه مدرسة الفن المسرحي اليوم بعض العقبات التي تحول دون استمرار عملها بسهولة ويسر، وعلى رأسها تلك التي تتعلق بتأمين الموارد المادية اللازمة لتغطية تكاليف تشغيل المكان ودفع أجور العاملين بمختلف اختصاصاتهم، حيث تعتمد المدرسة بشكل أساسي على الرسوم الشهرية التي يدفعها الطلاب والتي تبلغ 25 ألف ليرة لكل طالب وهي تكفي لتغطية النفقات الشهرية دون التكاليف الباهظة لمشاريع التخرج، مع عدم إمكانية فرض رسوم أعلى نظراً للأحوال الاقتصادية المتردية التي يعاني منها جميع السوريين بعد انخفاض قيمة الليرة السورية لأكثر من عشرة أضعاف. إضافة لذلك، تحصل المدرسة على بعض المنح المتفرقة من مؤسسات ثقافية تهتم بدعم مساحات مستقلة كهذه، ومنها المورد الثقافي ومواطنون فنانون، وهي منح تغطي تكاليف تنفيذ ورشات معينة أو دفع مصاريف لفترة محدودة فقط.

يطرح سمير الباش هنا بعض الحلول التي يعتقد بأن على الجهات الحكومية والخاصة تبنيها، ومنها أن تشكل وزارة الثقافة لجنة تدرس مدى أهمية هذه المدرسة وغيرها من المبادرات المستقلة وتخصص بناء على ذلك منحة سنوية لها، “وهو أفضل من الاستمرار بدعم مراكز ثقافية أبوابها مغلقة في معظم الأوقات”، وأن تسمح الوزارة باستفادة هذه المساحات المستقلة من التجهيزات الفنية غير المستخدمة في مختلف المراكز والمؤسسات الثقافية، كأجهزة الصوت والإضاءة. حل آخر يتمثل في إقدام القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم المبادرات الثقافية المستقلة، انطلاقاً من الوعي بأهميتها في المجتمع.

“بدلاً من حصولنا على تسهيلات تسمح لنا بمتابعة عملنا وإيجاد قوانين مساعدة كقانون يسمح لنا ببيع بطاقات العروض المسرحية والاستفادة المادية منها، تفرض علينا البلدية رسوماً إضافية مهددة إيانا بالإغلاق، ونرى تجهيزات مهملة يعلوها الغبار دون أن يُسمح لنا باستخدامها. دعم هذا المكان وغيره مهم للغاية، فهو فرصة للشباب الذين لم يجدوا مكاناً آخر يحتضنهم”، يقول الباش مضيفاً بحسرة أنه وصل مؤخراً لإحساس عميق باللاجدوى وبأنه مثل دون كيشوت، يحارب طواحين الهواء، فعشرات الشباب الذين خرّجتهم المدرسة على أربع دفعات إما يتوجهون للسفر أو لأعمال مجزية أكثر على الصعيد المادي، وهو بالتالي لم يتمكن حتى اليوم من تشكيل فريق مسرحي ثابت، ويدرس اليوم مع اللجنة الاستشارية احتمال التوقف عن قبول طلاب جدد، أو تغيير نمط الدراسة ليصبح على شكل ورشات عمل محدودة المدة، قد تكون منطقية أكثر على الصعيد المادي، لكن من دون الأثر الفني والأكاديمي الذي تحققه الدراسة على مدار عامين متواصلين.

مسرحية درس قاسي

اختتمت مدرسة الفن المسرحي عرضها الأخير “درس قاسي” على خشبة مسرح القباني بدمشق الأسبوع الفائت، وهي مقتبسة عن نص له الاسم نفسه للكاتب الروسي فالنتين غراسنوغوروف، وسط حضور كثيف ملأ كافة مقاعد المسرح وأروقته وأدراجه الجانبية على مدار أيام العرض الستة. ترجم النص وأخرجه مدير المدرسة سمير الباش، وأنتجت بمنحة من مؤسسة اتجاهات الثقافية ومعهد غوته.

تُضاء أنوار الخشبة على مكتب حديدي قديم يشبه مكاتب موظفي الدوائر الحكومية، وعليه بضعة أوراق وأدوات، ووراءه كرسي وأمامه كرسي آخر. في عمق المسرح نرى لوحاً أبيض كتلك الألواح المستخدمة في الصفوف المدرسية أو الجامعية، وفي المقدمة وضع كرسي جلدي أسود، وبجانبه ما يشبه الصندوق الذي تعلوه شاشة صغيرة.

يبدأ العرض مع طالبين جامعيين، لورا “الممثلة توليب حمودة” ويزن “الممثل كرم حنون”، وهما ينتظران أحد أساتذة الجامعة التي يدرسان فيها، الدكتور ابراهيم، والذي سيجري أمامها تجربة جديدة في علم النفس، تصفها لورا بأنها على قدر كبير من الأهمية العلمية والأكاديمية، وتبدو هنا معجبة بشدّة بمعلمها.

مع قدوم الدكتور ابراهيم “الممثل أوس وفائي” ومساعدته المعيدة إليسا “الممثلة فرح الديبات”، ندخل شيئاً فشيئاً في أجواء التجربة التي تتمحور كما يقول الدكتور، وكما تكتب مساعدته شارحة على اللوح، حول الارتباط المحتمل بين القدرة على التعلّم والخوف من العقاب، وهو ما يرغب ابراهيم في إثباته من خلال لورا ويزن وإليسا، حيث تلعب الأخيرة دور “الطالبة”، في حين يتعين على يزن ولورا بالتتابع لعب دور “المدرّس” الذي يلوّح في حال فشل الطالبة بحفظ دروسها، بالعقاب الجسدي الذي يبدو مغالياً في قسوته: تجلس إليسا مثبتة على الكرسي الجلدي الموصول لتيار كهربائي يمكن التحكم بشدّته التي تتراوح بين 20 و300 فولت، وعلى “المدرّس” اختيار عشرة أسطر من كتاب لشكسبير وتحفيظها “للطالبة”، وفي حال فشلها في أي سطر عليه صعقها بتيار كهربائي تزداد شدته كل مرة، على أمل أن يكون الخوف من هذا التيار محفزاً لها كي تحفظ دروسها عن ظهر قلب.

يتساءل لورا ويزن عن مدى إنسانية وشرعية هذه التجربة، ويؤكد الدكتور ابراهيم بأن إليسا خضعت لكل الفحوص الطبية اللازمة للتأكد من سلامتها الجسدية وقدرتها على تحمل التيار الكهربائي الذي يحتمل أن تتعرض له، ويعيد مراراً أهمية التجربة للعلم وللإنسانية، كما يعرض مشاهد تبين تعرّض طلاب المدارس لعقوبات جسدية من مدرسيهم، ويوضح بأنه يريد إثبات مدى فاعلية أو عدم فاعلية هذه الطرق في التعليم. يغري الطبيب المتدربين أيضاً بمبالغ مالية لقاء مشاركتهم في التجربة، ويطلب منهم التوقيع على عقد يبين موافقتهم الكاملة على ذلك.

تبدأ التجربة مع لورا التي يتملكها الخوف بعد ثلاث ضربات كهربائية صعقت بها إليسا التي تلوّت وصدرت عنها صرخات ألم، وتعتذر عن المتابعة وتخرج رغم إصرار الدكتور ابراهيم على الأهمية العلمية لما يقومون به وتهديده لها بالرسوب في القسم العملي من المادة. يدخل بعدها يزن لينفذ التجربة بحذافيرها، وليستمر بصعق إليسا حتى آخر درجة تحت تأثير تحفيز ابراهيم ومطالبته بالمتابعة حتى النهاية. وحين يذعر الطالبان إذ يبدو بأن إليسا توفيت على الكرسي بسبب الضربات الكهربائية، يكشف الدكتور ومساعدته الماهية الحقيقية للتجربة، والتي تتمحور حول الطاعة العمياء.

“بعد كل ما عشناه في سوريا من عنف على كل الأصعدة، رغبتُ بأن أعرف كيف يمكن لشخص أن يؤذي أو يعذب شخصاً آخر، وأن يقتله بطرق مختلفة، فقط لمجرد أنه يطيع أوامر عليا لا قدرة له على مخالفتها؟”، يشرح ابراهيم وإليسا التي يتبين بأنها ممثلة تساعد في إتمام هذه الحيلة، وبأنها لم تكن تتعرض لأي ضربات كهربائية، وبالتالي لم يلحق بها أي أذى.

وسط ذهول يبدو على الجميع، يصاب يزن بنوبة من الصراخ، فحياته قبل هذا اليوم لن تشبه ما بعده، وقد اكتشف جانباً جديداً لم يعرفه من قبل في شخصيته: “أنا لستُ سادياً، ولم أعذب إليسا إلا بناء على أوامر تلقيتها”، يصرخ في وجه الطبيب، ويصرّ على أن المسؤولية الأخلاقية تقع أولاً وأخيراً على من أصدر الأوامر وليس على من نفذها، وهنا تكمن نتيجة أخرى للتجربة: فمعظم الذين خاضوها، وبعد إتمامهم لعملية التعذيب المفترضة حتى النهاية، يرفضون تحمل المسؤولية التي يلقون بها على القائد والرئيس، فلا هم مسؤولون عن القتل ولا عن التعذيب، وإنما فقط من أصدر الأوامر بذلك.

استغرق التحضير للمسرحية كما يقول الباش حوالي أربعة أشهر من التدريبات في مقر المدرسة التي عرضت فيها المسرحية أولاً، ثم في مسرح القباني ضمن تعاون كبير من مديرية المسارح والموسيقا؛ وهي انطلقت من إعجاب المخرج الشخصي بالنص وترجمته، بحثاً عن إجابات حول جذور العنف الذي عانى ويعاني منه المجتمع السوري، فحاول كما يقول أن يطرح المشكلة ويحللها باحثاً عن أسبابها، وأن يشرك الجمهور في عملية التحليل والبحث هذه.

ولفت المخرج إلى الإقبال الكبير على حضور المسرحية، الأمر الذي لم يكن متوقعاً بالنسبة له أو لفريق العمل. “أن يقضي العشرات ساعة ونصف الساعة وقوفاً على القدمين لمتابعة العرض يعني بأن الجمهور تقبل الحقيقة التي أردنا قولها حول العنف في مجتمعنا، وهو ما يدفعني للقول بأنه جمهور عظيم يستحق أن نبذل كل جهودنا لنقدم له الأفضل على الدوام”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر