قبل أن تقلب هذه الجريدة

مروة ياسين

تقليب سريع للصفحات، نظرات خاطفة على العناوين، ونظرات أخرى تبحث عن شيء ما بلا جدوى.. جولة قصيرة لصديقتي هناء داخل الصفحات القليلة للجريدة التي أعمل بها، انتهت، بعد أن أجبرت نفسها على قراءة مادتي الأخيرة، بسؤال: “ما عندكو كلمات متقاطعة؟”.

سؤال هناء البارحة عن الكلمات المتقاطعة لابد أنه يتبادر إلى أذهان كثر فوجب التنويه إلى من يقرأ:
 نحن لا نملك كلمات متقاطعة، لا نضع ألغازاً، ولا أبراجاً، ولا يوجد لدينا صفحة ترفيهية، ولا نملك ترف النظر إلى نصف الكأس الممتلئ، ولا الإيجابية اللازمة لذلك.
فالكلمات المتقاطعة نجمع أوصالها بأنفسنا قبل نزول العدد في محاولة بائسة لمعرفة من وراء كل ذاك النحس الذي نعيشه، والألغاز مازلنا نعمل على فك خيوطها في كل مرة لعل النتيجة تتغير يوماً ما، لكن عبثاً تتكرر المحاولة كل يوم.

لا نؤمن بالفلك ولا نتابع دلالات ما تخفيه تحركات الكواكب، فهناك أياد أكثر خفة إن تابعت تحركاتها ستتنبأ وحدك، وبدون خبير، بما سيحدث لشؤونك المادية، ولأن المصالح الشخصية باتت أولوية فأنت إن أدركت أسرارها ستعلم مصير علاقتك العاطفية، كما أن هناك مسلمات في أصول النفاق الوظيفي إن أتقنتها ستعرف حالتك المهنية.

أكثر ما يرفهنا كتاب يحكي قصة خيالية تخرجنا لبعض الوقت من واقع كئيب إلى خيال ربما يكون أفضل حالاً، هذا إن وفقنا بكتاب إيجابي.. خيالات نحصل عليها مجاناً بنسخ إلكترونية مرهقة للعين، إلا إذا تمكنا بحرص بالغ من جمع “فراطات” الشهر وصرفناها بلا رفق على كتاب ورقي قيّم، في حال توفره بين رفوف الكتب التجارية التي وافقت عليها السلطات المعنية بكل حرص على مواطنيها.

سلبيون من كثرة الواقعية، فنتانة الرائحة الفواحة القادمة من حاوية القمامة والتي تقف باستقبالنا صباح مساء أمام جريدتنا، وتبدو أحد المعالم الأساسية الثابتة لإطلالة شباكنا، تعمي بصرنا وبصيرتنا، فلا نرى دمشق بعين عشاق مدينة الياسمين والورود، ولا تترك سبيلاً لوحي الغزل بأن ينزل بمديحها ليأخذ زاوية وردية من الجريدة.

مسرحيات التغني بالحقوق الإنسانية والتسامح والإخاء لا تغري جيوبنا لدفع ثمن بطاقات الدخول لردهاتها، نرتدي الحجاب ونصافح بالأيدي، نكتب نصائح طبية ولا نعالج اضطرابنا النفسي.

حوارنا، إن اجتمعنا، نقدي مليئ بالكافيين والنيكوتين، ضبابي غائم في معظم أحواله، يمطر حبراً على أوراقٍ سمراء، تخدعك ألوان صفحتيها الأولى والأخيرة، لكن بقية صفحاتها، كالتي تمسكها أنت الآن، لا تجد بين سطورها إلا أحد اللونين: إما الأبيض أو الأسود، فهذا يشه إلى حد ما لعبة الكلمات المتقاطعة بشكلها، أما إن كنت مصراً على لعبها فوجب علينا إعلامك بكل هذا قبل أن تقلب الجريدة.

كان هذا جوابي على سؤال: “ما عندكو كلمات متقاطعة؟” الذي بقي يحوم في رأسي ويوجع قلبي على تعب أربع سنوات وليلتين. أربع سنوات في الكلية حفظنا فيها تفاصيل التفاصيل عن تكوين هذه الصحيفة، من مكنة المطبعة وآلية وصول الحبر إلى الورق، إلى تعلم كتابة افتتاحيتها.. وليلتين. الأولى في تفريغ المقابلة، والثانية لكتابة المادة الأخيرة التي قرأتها هناء بتثاقل، ولكن جوابي لها لم يكن هو ذاته المكتوب هنا والذي حتماً ستراه “تنظيراً”، بل كان مختصراً بحرف نفي.. وغصة.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر