فلاحو القنيطرة الذين ألفوا الحروب

60%  من مساحة المحافظة تنتظر جرعة شجاعة

نسرين علاء الدين

يتكئ أبو أسعد الحمد (68 سنة) على يده اليسرى فيما يجمع بيده اليمنى حب الزيتون المتساقط تحت أشجار زيتونه، بينما يحوم حوله ثلاثة أطفال يبلغ أكبرهم عشر سنوات تقريبا. لم يتبق لـ “أبو أسعد” من عائلته التي كانت تتكون من 25 فردا سوى ستة أشخاص، زوجته وابنته وكنته وأحفاده الثلاثة. وهم اليوم عونه بعد أن توفى من توفى وهاجر من هاجر.

يقول أبو أسعد: “كثيرا ما أفكر بهجر أرضي وتركها للزيوان والسوس فما حاجتي بالأراضي والأرزاق بعد أن فقدت أحبتي وبات أقل الطعام والثياب يكفيني”.

تقدر التقارير الصحفية الصادرة عن محافظة القنيطرة نسبة التراجع في القطاع الزراعي في السنوات الأخيرة بـ 60%. وتعد هذه النسبة مؤشراً خطيراً في بلاد يعتمد اقتصادها بشكل أساسي على الزراعة.

تكثر التحديات في وجه فلاحي القنيطرة أبرزها الخوف من العمل في الأراضي الزراعية بسبب عدم تنظيفها من المخلفات الحربية حيث أصيب عدد من أبناء المنطقة جراء انفجار ألغام أو قنابل كانت موجودة في أراضيهم، إضافة إلى ارتفاع أسعار بعض مستلزمات الإنتاج وانخفاض نوعيتها، وأيضاً صعوبة تسويق المنتجات الزراعية، وتراجع أعداد العاملين في الأراضي وهجرة فئة الشباب بسبب الحرب، وضعف الأحوال الاقتصادية لأبناء القنيطرة.

“راس براس”  

يحصي عامر قاسم، من أبناء الريف الشمالي للقنيطرة، غالونات الزيت المعصورة، ويجري حسبة سريعة في ذهنه، والناتج أن ثمن ما عصره يسد إيجار القطاف والحراثة ليتبقى له غالونين يسد بهما حاجة منزله طوال السنة القادمة.

 يقول عامر: “عدت للعمل في أرضي قبل عام تقريبا، فالأرض كانت متروكة لأكثر من ست سنوات دون حراثة أو تقليم للأشجار. لذلك تراجع إنتاجها هذا العام، إضافة للمعاناة الكبيرة من أجل توفير ورش تعمل على قطف الزيتون وجمعه، ففي الماضي كانت العائلات تساند بعضها البعض في مواسم الحصاد وجمع الثمار، أما اليوم فنحن نعاني من قلة الأيدي العاملة حيث هاجر عدد كبير من أبناء المنطقة وهناك أشخاص لا يرغبون بالعودة حاليا بعد استقرارهم في مدن جديدة بعد النزوح عن القنيطرة. ومن تبقى يطلب أجرة مرتفعة، بل أن البعض يطالب بتقاسم المحصول مناصفة مع صاحب الأرض الذي قام بأعمال باتت مكلفة من حراثة وتقليم.. وهذا أمر غير منصف. فيما يطالب آخرون بتقاضي أجر على كل كيلو زيتون، وتراوح الأجر هذا العام بين 60 و90 ليرة عن كل كيلو، وهؤلاء لا يجمعون الزيتون المتساقط أسفل الشجر ويريدون وجبتي طعام”.

إعادة تأهيل

يقول المهندس حسين صلان، مدير زراعة القنيطرة، لـ “الأيام”: “هناك أضرار كبيرة لحقت بالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية”. موضحا أن الضرر لحق في الأعوام الماضية بـ 491637 شجرة مثمرة من ضمنها أشجار الزيتون والكرز وغيرها من باقي الأنواع المثمرة و170 ألف شجرة حراجية، كما بلغت مساحة الأراضي الحراجية المتضررة 384 هكتار. وأضاف صلان أنه تم في العام 2017 ـ 2018 إنتاج 77675 غرسة متنوعة كما تم إعادة تأهيل 75 هكتارا من الأراضي الحراجية المتضررة، وهناك خطة لرفع مساحة الأراضي المعدة لإعادة التأهيل 130 هكتارا.

ويقول صلان: “نحن نعاني من نقص في التمويل والاعتمادات كما يعاني الفلاحون من صعوبة تصريف منتجاتهم حيث يتم تصريف جزء بسيط من الإنتاج على أرض المحافظة فيما يتم تسويق باقي المحصول في دمشق، وهذا يشكل عبئاً إضافياً على الفلاحين حيث لا يوجد سوق هال على أرض المحافظة”.

زراعات جديدة

حاول أهالي منطقة غدير البستان، في القطاع الجنوبي من ريف القنيطرة، تغيير الزراعات التقليدية وقاموا بزراعة أشجار الرمان المثمرة كنوع من الاستثمار، بعد أن كانت زراعة الرمان تقتصر على عدد قليل من الأشجار المتفرقة.

يقول نائب رئيس بلدية قرية غدير البستان، باسل النهار، لـ “الأيام”: “بدأت زراعة الرمان في غدير البستان في  عام 2000 حيث تم إدخال زراعة هذه الأشجار من النوع (فرنسي) كون شجرة الرمان تعتبر شجرة معمرة ويقدر عمرها بـ 50 سنة، ويبدأ إنتاج الرمان بعد زراعته بحوالي 4 سنوات ويبدأ إنتاجه الاقتصادي بعد 7 سنوات، جميع أنواع التربة صالحة لزراعة الرمان ويعتبر من الأشجار التي تتحمل العطش بنسبة معينة كون أغصانه شوكية، غير أنه لا يصل الى حمله الاقتصادي الا بوجود الري، حيث يزيد الري من إنتاجه الاقتصادي وجودة ثماره.. وقد بلغ عدد المزارعين لأشجار الرمان في غدير البستان حوالي 18مزارعاً”.

ويتابع النهار: “هناك عدد من المعوقات التي يعاني منها فلاحو غدير البستان في الوقت الحالي، أبرزها ارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل محطات الضخ، إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة والسماد الورقي، وارتفاع أجور نقل الإنتاج إلى مكان التسويق، إضافة لارتفاع أجور الأيدي العاملة”.

ويضيف: “تتعلق تكلفة الدونم الواحد من أشجار الرمان بحجم الاهتمام والمواد المقدمة لهذه الأشجار وبعمر الأشجار المزروعة، حيث تبلغ التكلفة وسطيا حوالي 65 ألف ليرة سورية للدونم الواحد. فيما يتعلق إنتاج الدونم الواحد بعمر الأشجار المزروعة والاهتمام الزراعي المقدم لها حيث يقدر وسطيا بين 1.5 طن إلى 2 طن، وتتدرج هذه الكمية بين النوع الأول من الثمار والنوع الثاني والنوع الثالث، ولكل نوع سعر خاص حيث يتراوح سعر النوع الأول في سوق الهال في دمشق بين 175 و 150 ليرة سورية، في حين سعر النوع الثاني بين 75 و 100 ليرة والنوع الثالث نحو50 ليرة”.

تنمية

تتشابه حجارة القنيطرة في سوادها، وكذلك يتشابه حال قراها، حيث تعاني البلدات والقرى من ضعف في البنى التحتية واحتياج لآليات تنهض بها من جديد.

وعن تركيبة الاقتصاد في القنيطرة، يقول المهندس عبد الرحمن عبد الله لـ “الأيام”: “إن التركيبة الاقتصادية لمحافظة القنيطرة تتمتع بسمات خاصة ناشئة عن الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية فيها. وعليه فإن البنيان الاقتصادي للجولان يجب أن يشتمل في المقدمة على القطاع الزراعي حيث يشكل جزءً أساسياً وهاماً من الاقتصاد المحلي حيث يحتل القطاع الزراعي مركز الصدارة من مجمل القطاعات الاقتصادية في محافظة القنيطرة، وهو يمثل السمة الأساسية للمحافظة كونها ذات طبيعة جيدة وخصوبة أراضيها عالية ومناخها ملائم لعدد من الزراعات.. ولهذا فهي محافظة زراعية وتلعب الزراعة دوراً هاماً فيها فهي تستوعب أكبر نسبة من حجم قوة العمل لاسيما غير المؤهلة بالإضافة لكونها مصدر العيش الرئيسي لجميع سكان المحافظة تقريبا. لكن مؤشرات الإنتاج الزراعي الحالية للقنيطرة لا تمثل الإمكانات المتوفرة فيها فيما لو قورنت هذه المؤشرات بالمساحة الإجمالية وعدد السكان الإجمالي والامكانيات المادية المتاحة”. ويتابع عبد الله: “إن العمل الزراعي في القنيطرة محفوف بالمخاطر كونه يعتمد على العوامل الجوية وهذا واضح من خلال استعراض مؤشرات استعمال الأراضي، حيث نجد أن نسبة (86%) من الأراضي بعلية والزراعة في القنيطرة تعتمد على مياه الأمطار ولذلك فهي متذبذبة بين عام وآخر وفقاً لكمية الهطول المطري. إلى جانب البطء في إدخال استخدام التقنيات الزراعية الحديثة وهذا يعود لتفتت الملكية وتشتتها وصغر الحيازة الزراعية”.

وعن إمكانية التطوير يقول: “عوامل كثيرة من شأنها رفع سوية الإنتاج الزراعي في المحافظة فالقنيطرة تمتلك مساحات واسعة قابلة للاستصلاح والزراعة، كما أن معدل الهطول المطري مرتفع والمحافظة غنية بمصادر المياه من سدود وينابيع وأنهار، إضافة إلى الظروف البيئية والمناخية المناسبة للعديد من الزراعات الاقتصادية كالمحاصيل الصناعية والنباتات الطبية. وتساعد المسطحات المائية المتوفرة في المحافظة (سدود وبحيرات) على تطوير الثروة السمكية”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر