التراث المادي السوري مُهدد بخروجه من قائمة التراث العالمي

خان أسعد باشا مهجور… وقصر العظم معلى حافة الانهيار

حبيب شحادة

لم تطلها آلة الحرب كما غيرها، وإنّما طالها الإهمال وربّما النسيان. مواقع دمشق الأثرية تتصدع وتفقد بريقها التاريخي، وتدخل ضمن مواقع التراث العالمي المهددة كما أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) عام 2013. خان أسعد باشا العظم الذي بُنيّ عام 1753، والذي تبلغ مساحته 2500م2 أصبح اليوم مرتعاً للجراذين وغيرها من القوارض والحشرات، دون أدنى اهتمام حكومي، أو حتى مدني /أهلي.

حيث تعج الجغرافيا السورية بالعديد من المواقع الأثرية والتراثية التي جعلتها مُصنفة ضمن قوائم التراث العالمي. فدمشق القديمة أدرجت على لائحة التراث العالمي عام 1979، ثم تلتها بصري القديمة وموقع تدمر بالعام 1980، وحلب القديمة (التي تعرضت للتدمير) عام 1986 وفي ال 2006، قلعة الحصن وصلاح الدين الأيوبي، وأخيراً المدن المنسية في شمال سوريا بالعام 2011.

خان أسعد باشا العظم

يقع في دمشق القديمة وسط سوق البزورية، بناه والي دمشق أسعد باشا العظم بعد أربع سنوات من بناء قصر العظم. ذاك البناء الذي يُشكل مَعلم من معالم دمشق الأثرية، أصبح اليوم بحاجة لنفض الغبار عنه وترميمه من كثرة التصدعات والشقوق التي طالته على مر السنين. لكن لا حياة لمن تنادي. فبمجرد الدخول إليه والتجوال في أروقته ينتابك شعور بالاكتئاب وكأنّك في مكان مهجور يعج به الغبار وشباك العناكب باستثناء فسحته الأرضية النظيفة والتي تحولت لكافتيريا بعشرة طاولات فقط.

يقول مصدر رسمي من الخان للـ (الأيام) ” إنّ الجهة المسؤولة عن الخان (وزارة الثقافة) لا تقوم بشيء من واجبها تجاه ما حل بالخان من إهمال وتصدع”، مضيفاً، أنّ كل طلب يُقدم للوزارة لإصلاح التصدعات والشقوق التي تُهدد الخان بالانهيار تبقى حبيسة الدروج بحجة عدم توفر الاعتمادات.

في حين يرى الخبير الآثاري رائد عباس : “أنّ التصدعات تصيب كل الأبنية عبر الزمن، وأنّ هذه التصدعات الحالية في المواقع الأثرية الدمشقية ليست خطيرة لدرجة تُهدد بانهيارها”، مشيراً في الوقت ذاته لضرورة أن يكون هناك صيانة دورية تعالج هذه التشققات الحاصلة. لكن ما يؤخر عمليات الترميم والصيانة وفقاً لعباس يعود لكثرة المواقع الأثرية التي تحتاج للصيانة والترميم بفعل الحرب وتداعياتها.

الخان… وظائف مُتبدلة

في الثمانينات من القرن الماضي، نُقلت ملكية الخان من عدد من التجار إلى مديرية الأثار والمتاحف بُعيد نقل ملكيته من والي الخان أسعد باشا إلى تجار البزورية. ولدى الدخول للخان تجده فارغاً، غرفه البالغ عددها ثمانين غرفة مهجورة وأبوابها مُقفلة دون أي تفكير بإصلاحها، ولا حتى باستثمارها من قِبل المعنيين.

ورغم أنّ وظيفة الخان عبر التاريخ كانت لتبادل البضائع، ومكان لنوم التجار، إلا أنّها تبدلت عدة مرات، وتحولت من مستودع للبضائع الخاصة بالمنطقة، إلى مكان يَعرض مقتنيات أثرية سورية، لينتهي به الحال اليوم لمكان مهجور بعد فشل محاولة تحويل الخان من قبل خبراء يابانيين إلى متحف للتاريخ الطبيعي في العام 2005. كما فشلت محاولة تحويله لمعرض للمهن اليدوية.

قصر العظم

لا يختلف الوضع في قصر العظم كثيراً عما هو الحال في خان أسعد باشا. ورغم أنّه يُعتبر من أهم مقاصد السياح في مدينة دمشق إلا أنّه تحول اليوم لمكان يعاني التصدع وكثرة الشقوق في جدرانه التي لم تعد تقوى على الصمود بدون إصلاحها أو تدعيمها. ومع ذلك ما زال القصر يُستخدم كمتحف للفنون الشعبية، والصناعات اليدوية بخلاف الخان الذي أضحى اليوم مُعطلاً كلياً.

يقع القصر في النهاية الشمالية لسوق البزورية بمساحة تبلغ 6400م2، حيث تم بناءه في العام 1749، ويعد نموذجاً للبناء الشامي العتيق القديم بحجارته الملونة وأقسامه وحدائقه الداخلية.

تقول ميساء إبراهيم مديرة القصر لـ (لأيام) ” بأنّ قصر العظم عمره أكثر 265 سنة، ويؤرخ لحقبة تاريخية مهمة تتضمن فترة الاحتلال العثماني والفرنسي”، وتضيف، بأنّ القصر كان على مرمى النيران خلال الحرب/الأزمة، نتيجة توسط موقعه ضمن دمشق القديمة التي كانت كلها مهددة بمواقعها الأثرية نتيجة لسقوط القذائف والانفجارات التي حدثت وأثرت على معظم الواجهات والنوافذ.

لم تتغير وظيفة القصر خلال سنوات الحرب، ولا قبلها وفقاً لميساء، حيث بقي متحفاً للتقاليد الشعبية والفلكلور، مضيفةً بأن قصر العظم، هو المتحف الوحيد الذي ظل مفتوحاً خلال الحرب رغم تأثر نشاطاته التي انخفضت نوعاً ما. كما أكدت بأن هناك خطة لتفعيل القصر من جديد بالتعاون مع أكثر من جهة عبر نشاطات تستهدف الحرف اليدوية المهددة بالاندثار للحفاظ عليها.

إهمال بحجة الحرب

رغم أنّ تأثيرات الحرب كانت طفيفة جداً على مواقع دمشق الأثرية، حيث اقتصرت فقط على تساقط بعض القذائف، إلا أنّ ذلك لم يمنع اليونيسكو من تصنيفها على مواقع التراث العالمي المهددة. وفي الوقت الذي تنفق فيه وزارة الثقافة ملايين الليرات على فعالياتها ومهرجاناتها التي لا تغني ولا تسمن من جوع، تقوم بالتقتير واتباع سياسة ضغط النفقات بحجة الحرب والوضع الاقتصادي، الذي أصبح شماعة المسؤولين في بلد يعاني شعبه وتراثه وتاريخه من الضياع والفقدان.

ومن جهة أخرى تمتلك هذه المواقع أهمية خاصة تستدعي الاهتمام الوطني والدولي، وتطبيق المعايير العالمية المتبعة أثناء عملية الترميم والصيانة، وكذلك تستدعي وضع سياسة وطنية لصون تلك المواقع وحمايتها من الاندثار. وحيال ذلك تقول مديرة القصر ميساء إبراهيم ” اليوم لا يمكن القيام بأي مشروع في القصر نتيجة وجود هبوطات كبيرة ظاهرة للعيان وتشكل خطورة على الزوار والمعروضات وحتى على موظفي القصر، وأنّ أي اهتزاز أرضي ممكن أن يؤدي بالمبنى للسقوط”. لذلك هناك خطة تدعيم للقصر العام القادم.

أكبر خان في الشرق الأوسط مهجور، وقصر العظم مُهدد بالانهيار ليس نتيجة الحرب، إنّما بفعل الفساد وعدم الاهتمام، الذي ربّما يؤدي إلى إزالة دمشق القديمة من لائحة التراث العالمي وليس بقائها ضمن القائمة المهددة. وفي الوقت الذي يجهد فيه مسؤولو الثقافة لإدراج عناصر التراث اللامادي على لوائح التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، يتجاهلون التراث المادي المحتضن لتراث وتاريخ الشعب السوري.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر