أفلام جوزيبي تورناتوري.. الحياة وقد لونها الحنين

“أفلامه مضمخة بالحنين”.. هكذا وصف ناقد أعمال المخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري. وإذا كان الحنين هو موضوع فيلم واحد (سينما براديسو) بالفعل، فإنه في بقية الأفلام ينسج غلالة شفافة تدور خلفها الأحداث حول موضوعات وتيمات شتى.

مفردات تورناتوري تدغدغ الذاكرة، وتصيب الجميع بعدوى النوستالجيا: طفل قروي مفتون بالسينما، ريفيون سذج  منبهرون بعالم الخيالات والصور المتحركة، مراهق يطارد على دراجته سيدة فاتنة في أزقة بلدة صغيرة، ساحة القرية حيث يجتمع المسنون ليثرثروا في مجريات الحرب العالمية الثانية..

ولد جوزيبي تورناتوري في 27 أيار 1956 في صقلية بإيطاليا، بكّر في حب التمثيل والسينما، إلا أنه عمل، بداية، مصوراً فوتوغرافياً مستقلاً، قبل أن يحقق حلمه ويضع قدمه في عالم السينما.

في عام 1988 قدم رائعته (سينما باراديسو)، الفيلم الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، قبل أن تتوالى أعماله، لتصنع عالماً سينمائياً خاصاً ومميزاً، يجمع إتقان وانضباط السينما الأميركية مع عفوية وعاطفية السينما الإيطالية..

عُرضت النسخة الأصلية من (سينما باراديسو) في إيطاليا كاملة، وكانت بطول 155 دقيقة، لكن الفيلم اختصر من أجل العرض الدولي إلى 123 دقيقة. وقد حصلت النسخة العالمية هذه على الجائزة الخاصة من لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي لعام 1989، وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي من نفس العام. وفي عام 2000 عرضت، في الولايات المتحدة، 173 دقيقة كان المخرج قد حذفها من الفيلم الأصلي، وجاءت تحت عنوان: (سينما باراديسو: الإصدار الجديد).

يدور الفيلم حول طفل يتيم (سلفاتوري) في قرية إيطالية (خمسينات القرن العشرين)، ممسوس بعشق السينما، ما جعله يجترح كل الحيل المتاحة ليدخل الصالة الوحيدة في القرية (سينما باراديسو)، غير أن الفريدو، مشغل السينما الكهل، يقف له دوماً بالمرصاد. وبعد مغامرات طريفة، ينجح الطفل في الوصول إلى المكان الذي يحلم به جميع أقرانه، بل وكثير من أهالي القرية، إذ يغدو مساعداً لألفريدو في تشغيل البكرة السحرية.

يكبر سلفاتوري وتتوالى على الشاشة الأفلام التي من صور وخيالات، وفي الصالة القصص الحقيقية التي من لحم ودم: عشاق خائبون يأتون إلى هنا لينفسوا آلام عشقهم، أزواج هاربون من زوجاتهم، أطفال هاربون من مدارسهم، نساء يبكين على مصائر الأبطال الذين يموتون على الدوام، متحذلقون وثرثارون، نظرات غرام سرية، ومشاجرات رعناء بلا غاية.. وأمام كل هؤلاء يجلس رقيب يرن الجرس بيده كلما هم البطل بتقبيل حبيبته.

بعد ثلاثين عاماً، كان سلفاتوري قد غادر فيها قريته وأسس حياة أخرى في مدينة بعيدة، يعود الطفل الذي صار كهلاً ليشهد اندثار عالمه القديم وتبدد ذكرياته، وفي الصندوق الذي خلفه له الراحل الفريدو يعثر على قصاصات أفلام، تشكل شريطاً طويلاً.. آلاف القبل التي حُرم الجمهور الغابر من رؤيتها، وها هو الآن، وحيداً وحزيناً، يشاهدها في غرفة معتمة.

فيلم “أسطورة 1900″، أنجزه تورناتوري عام 1998، ونال جائزة “ديفيد دوناتلو” لأفضل مخرج، وجائزة “غولدن غلوب” لأفضل موسيقى تصويرية، ويحكي قصة سفينة تمخر الأطلسي بين أوربا والولايات المتحدة، وفي إحدى رحلاتها يعثر بحار أسود على طفل متروك تحت طاولة في الصالة الرئيسية، ولأن اليوم هو الأول من كانون الثاني عام 1900، فإن البحار يقرر تسمية ابنه بالتبني (1900).

يعيش 1900 كل حياته على سطح السفينة دون أن تطأ قدماه الأرض على الإطلاق، وحتى عندما غدا موسيقياً لامعاً وذاع صيته على طرفي الأطلسي، فإنه رفض كل إغراء للنزول إلى اليابسة، وكذلك فقد رفض مغادرة السفينة عندما قرر مالكوها أن عمرها الافتراضي قد انتهى ووجب التخلص منها بالديناميت..

فيلم عن حلم إنساني قديم بعالم يكون تحت السيطرة: مفردات ثابتة، وتكرار آمن للأحداث والأشياء.. أنت مستقر على كرسي ثابت، أمام نافذة يتحرك العالم أمامها في منأى عنك.

فيلم “مالينا” عُرض عام 2000، وفاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كابورغ السينمائي عام 2001. وهو يدور حول فتى مراهق يقع في غرام سيدة شديدة الجمال (تلعب دورها مونيكا بيلوتشي). يلخّص الفيلم ذكريات المراهقة وخيالاتها، في فترة من تاريخ إيطاليا المعاصرة أثناء الحرب العالمية الثانية.

فيلم “المراسلة” (2016) يرصد علاقة حب بين شابة ورجل يكبرها كثيراً في السن. يموت الرجل لكنه يستمر في إرسال الرسائل المكتوبة والمرئية عبر كل الوسائل المتاحة، وعبر جميع من يعرفهم.. إنه يريد البقاء حياً في ذاكرة حبيبته.

رسائل ما بعد الموت هذه تطرح أسئلة عن الحب والذاكرة، وعما يتبقى منا بعد موتنا، وعما إذا كنا نفضل إبقاء الأموات بيننا، أو نرغب في التخلص منهم لنشرع في حياة جديدة..

كل من شاهد أفلام تورناتوري يعرف أن لها نكهة خاصة تسبب الإدمان، وإذا كنتَ لم تشاهد أياً من هذه الأفلام بعد، فأنت موضع حسد إذ أنك مقبل على تجربة جمالية مؤثرة، يتمنى الجميع اختبارها وتكرارها على الدوام.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر