محاكمات عبثية لجناة ماتوا منذ ألف عام
عن الكوابيس التي اخترعناها بأنفسنا

سلمان عز الدين

«إن جميع الكائنات، منذ اللحظة الأولى لولادتها، منذورة بالفطرة بعضها ليأمر والآخر ليطيع.. إن جميع أولئك الذين ليس لديهم ما يقدمونه لنا أفضل من استعمال جسدهم وأطرافهم فإن الطبيعة حكمت عليهم بالاسترقاق، ومن الأفضل لهم أن يخدموا من أن يتركوا لشأنهم.. إنه عبد بالطبيعة ذلك الذي قل حظه من النفس والوسائل فحمله ذلك على أن يتبع الآخرين»..

القائل ليس نخاساً، ولا قائداً بربرياً، ولا واحداً من طغاة العالم القديم.. إنه أرسطو فيلسوف أثينا العظيم.

وبالطبع، لم يكن أرسطو وحيداً في هذا الموقف، فالرق ظل طويلاً دون عتبة التفكير السياسي (حسب تعبير جان توشار)، ولم يشكل بحد ذاته مشكلة سياسية، بل لم يكن موضوع بحث أصلاً، إذ اعتبره المفكرون والرأي العام، في تلك الأزمنة، معطى طبيعياً يستخدم ولا يبحث، وإذا ما تم بحثه فعلى طريقة أرسطو، أو حتى على طريقة أفلاطون، صاحب «الجمهورية» ونظرية المثل، الذي أوصى بقمع انتفاضات العبيد، واقترح لذلك أسلوباً مبتكراً: اختيار عبيد ذوي لغات مختلفة، فيصعب عليهم تشكيل لحمة أو عصبية تهدد سلامة أحرار المدينة.

رينيه ديكارت، ابن القرن السابع عشر، تبنى موقفاً لا يقل غرابة، من وجهة نظرنا المعاصرة، ليس عن البشر هذه المرة وإنما عن الحيوانات. لقد امتلك ديكارت اعتقاداً غريباً ومرعباً مفاده أن الحيوانات لا روح لها، وبالتالي «فليست الأصوات التي تصدرها عند تشريحها وهي حية سوى تلك الأصوات التي يمكن أن تصدر عن الآلات عند تفكيكها.. ليست أصوات الألم سوى أصوات آلية فحسب».

ويصف ديف روبنسون وكريس جارات، مؤلفا كتاب عن ديكارت، كيف كان الفيلسوف الفرنسي يستمتع بتشريح الحيوانات حية ليرى كيف تعمل، لقد قام «بتشريح بعض الأرانب والأسماك والغزلان بغرض مراقبة عمليات القلب وحركة الدم في الشرايين.. ولا بد أنه بذلك أخاف بعض الجزارين في أمستردام الذين اعتاد أن يزور محلاتهم يومياً ويأخذ إلى منزله حيوانات مختلفة ثم يقوم بتشريحها بعد ذلك».

كيف يستوي أن يتخذ صاحب الكوجيتو الخالد، وفيلسوف الشك المنهجي، والذي لايزال اسمه مرتبطاً بالعقل والعقلانية، مثل هذا الموقف الذي لا شك أنه يثير السخرية حتى لدى الأطفال من أبناء القرن الواحد والعشرين؟!.

وكيف يصح أن ينافح أرسطو عن العبودية وهو الذي وسم القرون التالية بمنطقه، وأسر ألباب الأجيال اللاحقة بنظرياته وأفكاره عن الإنسان والسياسة والشعر والطبيعة، ليغدو العقل الأكثر توقيراً في تاريخ البشرية؟.

كيف سيكون موقف ديكارت أمام جماعة من الناشطين المدافعين عن «التنوع الحيوي»، أو أمام واحدة من جمعيات الرفق بالحيوان؟.

وماذا سيقول أرسطو في محاكمة افتراضية يمثل فيها أمام قضاة يسائلونه على ضوء ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؟.

غير أن مثل هذه المحاكمة تفتقد إلى شرط أساسي يتمثل في أحد احتمالين: إما أن يكون القضاة أبناء القرن الرابع قبل الميلاد (وفي حوزتهم ميثاق الأمم المتحدة نفسه)، أو أن يكون الماثل أمامهم ابن القرن الواحد والعشرين. وبغياب هذا الشرط فإن المحاكمة تبدو ضرباً من العبث، وإلا فكيف لنا أن نحتفظ بالتبجيل والامتنان لكل العقول التي سبقت اكتشاف قانون الجاذبية، وكيف لا نزال نقرأ لكل الفلاسفة والشعراء والكتاب الذين كانوا يعتقدون، عن يقين، أن الأرض منبسطة والعالم مستو؟.

الأفق العقلي لعصر معين، والسياق التاريخي الذي يفرض حدوداً صارمة على الفكر والثقافة والعلم، هما من البدهيات. ولكننا، على ما يبدو، نعيش في زمن نحتاج فيه إلى تأكيد البدهيات على الدوام، ذلك أن المحاكمات قائمة على قدم وساق وعلى المنوال المطروح افتراضاً أعلاه. وليس أفلاطون وأرسطو وديكارت هم المتهمون، فهذا النوع من المحاكمات لا يجري في أي من البلدان الغربية، بل هنا في الساحة الثقافية العربية، حيث يساق رموز من التراث العربي (أقربهم إلينا عاش منذ ألف عام) ليحاكموا على ما نعيشه اليوم من خيبات وانكسارات، وليتحملوا المسؤولية كاملة عن هامشيتنا الراهنة، واستعصائنا على الحداثة، وعدم قدرتنا على الإنجاز..

منذ بضعة عقود، ازدهرت نظرية فكرية تقول بوجود «بنية» راسخة للعقل العربي تمت صياغتها منذ عصر التدوين، وهذه البنية تتحمل مسؤولية الكثير من مظاهر الحالة العربية المتردية، إذ تجعل المجتمعات العربية عصية على الحداثة..

فالفقهاء الذين عاشوا في عصر التدوين هم المسؤولون عما نشهده من غياب الحرية، ونحويو ذلك العصر هم الذين أقفلوا لغتنا العربية في وجه التحديث والقابلية للتجديد والقدرة على مواكبة العلم.. والفلاسفة من أسلافنا هم المسؤولون عن الاستبداد، إذ لم يقيموا نظرية للدولة والسياسة وفق مبادئ الثورة الفرنسية، ولم يؤسسوا لحقوق المرأة والأقليات (ولا للحفاظ على البيئة.. ربما!).

وقد فرّخت هذه النظرية الكثير من العناوين التي لا يضاهي فخامتها إلا فراغها، فصارت أزمة القراءة في مجتمعنا «مجرد نتيجة لهذه البنية العميقة التي تحتضن الأمية الفطرية وتقاليد الشفاهة المتخلفة»، وكذلك فالتخلف التكنولوجي «ما هو إلا لازمة لهذا العقل المحكوم ببنية تجافي الإبداع والتفكير العلمي والاحتكام للواقع».. كساد الصحف «نتيجة طبيعية لوعي جمعي موروث يمنع ترسيخ تقليد شراء الصحيفة في سلوك الإنسان العادي»، غياب المسرح، أو حضوره الهامشي، «يأتي في سياق تاريخ ثقافي وعقلي طويل حال دون تجذره في وعينا وثقافتنا».. والخروج من أزمة السينما «مرهون بإزالة المعوقات الابستمولوجية والسيكولوجية المتجذرة»..!. 

إننا، إذاً، ضحايا الأجداد وخياراتهم الخاطئة، هؤلاء «الجناة» الذين كان ذنبهم أنهم عنوا بأسئلتهم وشواغلهم هم لا بأسئلتنا وشواغلنا نحن.. هكذا يغيب السياق التاريخي، واختلاف الأفق العقلي بين العصور، بل ويتوقف الزمن عن الجريان. كما تغيب الأسئلة التي تتعلق بنا: ماذا عن الألف عام التي تفصلنا عن هؤلاء؟ لماذا عجزنا عن تجديد التراث وتنقيحه، وحتى إحداث القطيعة معه؟ لماذا فشلت جميع بدائلنا عن منافسة وهج هذا التراث على ما فيه من أشياء كثيرة تبدو بعيدة عن ذائقتنا وقضايانا وهمومنا؟.

بتغييب هذه الأسئلة فإن معركة بعض «النخبويين»، ممن يحملون راية التنوير، تغدو مقتصرة على  التلذذ باليأس والتفنن في الأنين والإعلاء من شأن اللاجدوى. وإذا ما أراد هؤلاء بعض الإثارة فإنهم يهرعون إلى تقريع «الجماهير الجاهلة الغبية المحصنة ضد العلم والتعليم والثقافة»، هذه «الغوغاء المسؤولة عن إحباط كل محاولات التحديث، بسبب تعلقها بالتراث وتشبثها بالثقافة الشعبية، والتقاليد البالية، والعقل الغيبي، والعلاقات الاجتماعية المتخلفة». 

«روح القطيع» و«ثقافة القطيع» و«غريزة القطيع».. عبارات تحضر بكثرة في جلسات النخبويين، وإن كانت تغيب عن كتاباتهم صراحة (من باب التقية). ومفردة القطيع تستتبع مفردة الترويض بالطبع، وهذا ما تفتقت عنه قريحة أحدهم إذ أكد أن الجماهير «لم تكن تستحق التنعم بثمرات التكنولوجيا الحديثة ولا بالانفتاح على العالم قبل أن يتم ترويضها جيداً»..

بالمقابل فإن مراكز القرار، والنخب الثقافية الدائرة في فلكها، تعفى من النقد والتقريع، فلا مسؤولية تقع على سياساتها قصيرة النظر، وشعاراتها الفارغة، وحداثتها الزائفة، وتحديثها القسري الأجوف، تعاليها وكسلها وإهمالها المتعمد للثقافة، وتكبيلها للإبداع..!!.

المساءلة الفكرية للتراث ورموزه وإجاباته هي أمر ذو جدوى ولا غنى عنه. وكذلك لا يمكن الإنكار أن بعض الخيارات والتوجهات التي يتبناها عصر ما تترك أثراً غير عابر وتشكل تحدياً كبيراً أمام الأجيال اللاحقة. ولكن الإيمان بهذا شيء، والقبول بالمحاكمات التعسفية التي تفتقر إلى أدنى شروط المنطق شيء آخر تماماً، لا سيما وأن الهدف هنا ليس البناء والتنقيح والتجاوز، بل التنصل من المسؤولية وإضافة شماعة جديدة إلى جانب الشماعات الأخرى: الاستعمار الطامع، والامبريالية الغاشمة، والمؤامرات التي لا تنتهي..

وإذا بدا هؤلاء المنتفضون ضد الأجداد وكأنهم يقفون على النقيض من الحالمين بالعودة إلى الفردوس المفقود، فإن كلا الفريقين يتفقان في الإصرار على السكن في الماضي، وفي ممارسة الهواية ذاتها: القفز فوق التاريخ. وبهما معاً تكتمل الدائرة المترعة بالفراغ.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر