حذاء ضيق للغاية في شارع الثورة

براءة الطرن

أن تكون ابناً وحيداً لأبوين موظفين أمر صعب، وحدة، ساعات طوال في المنزل، وبحث دائم عن تسلية، خاصةً وأن الجيران لن يحتملوا طفلاً آخر، الشارع مكان غير آمن، أمك تقفل الباب قبل الذهاب، التلفاز لا يعرض سوى النشرات الإخبارية، وبرامج التحليل السياسي، وأنت أكبر سناً من أن تلعب بالمكعبات فتصنع بيتاً، وأصغر سناً من أن تستخدم الانترنت عبر وصل الحاسوب بشريط الهاتف الأرضي، لن تجد أمامك سوى رف الكتب المكدسة لتقلب فيه، أملاً في أن تجد صورة ملونة، أو أحجية للحل، لن تضيع الكثير من الوقت في البحث، ستغرق بعد قليل في متعة قراءة القصة، وستقلب الصور بسرعة لتصل إلى الحبكة، ستكون تلك لحظة لقاءك الأول مع الأدب.

كنت أنا الابن الوحيد، وكانت رواية البؤساء أول لقاء لي مع الأدب، سرقتها من الرف، وأخفيتها بين أغراضي لأن المرأة على الغلاف كانت شبه عارية، رغم أن عريها كان مخزياً بلا شك، عري لا إغراء فيه، إلا أن الغلاف بالنسبة لي كان مخجلاً لا بد من إخفاءه.

قرأت تلك الرواية التي لا زلت أحتفظ ببعض مقاطعها في ذاكرتي رغم مرور السنوات، تعرفت فيها على الفقر، عرفته وجهاً لوجه، الفقر الذي لطالما أخفاه أبواي عني كما أخفى والد بوذا عنه المرض، الشيخوخة، والموت فهرب من القصر، وبحث عنهم إلى أن عرفهم.

رغم أن والدي تخرج من كلية الآداب، قسم اللغة الفرنسية، كانت تلك الرواية الفرنسية الوحيدة لدينا، لذا بعد إنهاءها واكتشاف الشغف المفاجئ كان علي أن أبدأ بالأدب الرصين، الثقيل قيمة، ودماً، الأدب الروسي، سيما أن كل الروايات لدينا من إنتاج الاتحاد السوفييتي، لأسباب يفهمها قراء الثمانينات أكثر مني بالطبع، اخترت رواية الفقراء لدوستويفسكي، لأنها على وزن البؤساء، لفظاً، وكآبة.

صار أبطال الروايتين أصدقائي الخياليين، كلما ذهب والداي إلى العمل، حضرت الشاي الذي يتنازل عنه أبطال الأدب الروسي لتوفير ثمنه، والبسكويت الذي لم يتذوقه أبطال الأدب الفرنسي، جمعت جان فالجان بصحبة كوزيت، بالموظف دييفوشكين بصحبة صديقته فرفارا.

سارت الأمور على ما يرام دوماً، كنا نقضي وقتاً طيباً إلى أن اختلف دييفوشكين مع صديقته فرفارا، السبب أنها أرسلت إليه كتاباً يحوي قصصاً لغوغول، من بينها قصة المعطف، وأشارت إليها ليقرأها دون غيرها، اتهمها أنها تعيّره بفقره، أو تفتح جرحاً مفتوحاً أصلاً، كان صديقي حزيناً، وكان علي لفصل الخلاف بينهما أن أتعرف على قصة المعطف، وأن أعرف نفسية أكاكيفتش بطل القصة، الذي تفسّخ معطفه، ولم يكن يملك ثمن معطف آخر فقضى الشتاء يوفر مائة وخمسون روبلاً ثمن معطف جديد، ويحلم ليل نهار بدفئه، وشكله، لكنه ما إن ارتداه حتى سُرق منه فمات قهراً، وحسرة.

دييفوشكين، الموظف في الفقراء لديه الحق في أن يحزن إذاً، فالقصة تصيبه في مقتل، وتقصده ولو عن غير قصد، وافقتني في ذلك المرأة التي باعت أسنانها في البؤساء فهي تعلم طعم القهر، والحسرة اللذان لا يحتاجان أسناناً.

استمرت علاقتي بتلك “الشلة الفقيرة” طويلاً، طول سنوات وحدتي التي أقضيها بعد العودة من المدرسة، وانقطعت بعد دخولي الجامعة، وتشكيل مجموعة من أصدقاء حقيقيين هذه المرة، صادف أنهم قراء لا مقروءون.

ولأن بي من الوفاء ما يكفي، كانت الروايتان، والقصة أول ما أناقشه إذا ما تحدثنا عن الأدب، لاقى رأيي بعظمتهم ترحيباً أول الأمر، لكنه ما لبث أن تحول لاستهجان، واستنكار، بالأخص أن أصدقائي من طبقة مخملية، لا تعرف الفقر، ولم تسمع عنه، كانت أغلب الاعتراضات تدور حول أن الكتّاب يستسيغون الألم، يمجدّون الحاجة، والعوز، ويبالغون في وصف العذاب البشري.

رغم أن تعليقاتهم الحادة كانت تجرح رفاقي السابقين وافقتهم في ذلك، وهززت رأسي مرتين، لم أكن أتملق، ولا أجامل رفاقي الجدد خشية إحراجهم، كل ما في الأمر أني لم أكن قد ناقشت أحداً قط في هذا النوع من الأدب، وبدت آرائهم مقنعة بالنسبة لي.

لذا أخفيت البؤساء مرة أخرى بين أغراضي، دون أن يكون السبب هذه المرة العري، كما أضفت إليها مجلدين آخرين كي لا تشعر بالوحدة، وصرت كلما سألني أحدهم عن أسماء هؤلاء الكتّاب أنكرت علاقتي بهم، وختمت بكلمة “يبالغون”، فينظر لي المثقفون بعين الفخر، والاحترام.

هذا ما يجول بخاطري هذه اللحظة، وأنا أقف في شارع الثورة، أنتظر مكرو لأني غير قادر على تحمل أجرة سيارات الأجرة، وغير قادر على السير حتى الموقف التالي لأن الحذاء الجديد الذي حلمت به لأكثر من ثلاثة شهور، ثم دفعت ثلاثة أرباع راتبي الشهري ثمناً له صلب كحجر، يكاد يخنق قدمي، ويجمع العالم بأسره بين أصابعي، غير قادر على شراء كوب من الشاي لأن الحاجيات الأخرى أهم، ولا البسكويت لأنه حلو كالرفاهية، وغير قادر على الموت قهراً، ولا حسرة، لا أستطيع أن أكون من المبالغين، لن يقبلوني أصلاً بعد ما حدث!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر