غرقى قرب قبورنا القادمة

براءة الطرن

كدت أكون التلميذة الوحيدة في الصف الثاني ـ الشعبة الثالثة ـ التي خالفت كليشيه جمع الطوابع، وذكرت السباحة في بند الهوايات، لا سيما أني لم أر طابعاً بريدياً من قبل، لكنّي رأيت ما يكفي من المياه، مسبح في المدينة التي أقطنها، ونهر في المدينة التي سأخبئ اسمها لاحقاً في الهوية كما سأخبئ صورتي، التي فشل مصورها في التقاط ابتسامتي لشدة اقتضابها.

علّمتنا أمي السباحة دون أن تبلل اصبع قدمها، استندت إلى قول نبيه “علموا أولادكم السباحة..” الذي ستكمله لاحقاً، وستندم أيضاً، وعلى الرغم من أن المقصود في الحديث هم الأبناء الذكور لم تفرّق بيننا، ولم تفرّقنا عن بعض، كانت “لا تبتعد عن أخيك” أهم قواعدها النظرية التي تتلوها علينا أثناء تطبيقنا للدرس عملياً، تليها قاعدة “الماء سترفعك”.

رمتني أمي في الماء أول مرة وأنا ابنة خمس سنوات ـ لم نستخدم السلم يوماً ـ تعلّقت برقبة أخي الأكبر، حركت قدمي كثيراً، كدجاجة مذبوحة، لم أقوَ على الصراخ، لم أحتجه، كان علي أن أوازن بين الخوف، والثقة ليس إلا.

 نجوت يومها، ثم نجوت مراراً حتى أصبحت أرتمي فاعلاً، لا مفعولاً به، وأصبحت السباحة هواية، تمادت أكثر فصارت نمطاً لحياة أتقن فيها حبس أنفاسي، تحريك قدمي، والكفّ عن التعلق برقاب الآخرين.

بعد أعوام عديدة اعتزلت لسبب ديني الرياضة التي تعلمتها لسبب ديني، كما لم أعد طفلة نشيطة، كان التدخين يحبط دقات قلبي، ويعيق رئتاي، اختل نمط الحياة الذي لطالما رسمته أمي لنا، والذي كادت أن تلونه لولا اختلال الحياة كلها، واشتعال الحرب التي لا تقل ابتذالاً عن جملة “اشتعال الحرب”.

أكمل أحدهم دون إنذار مسبق الحديث ليصير “والرماية..”، ويصير الرصاص سيد الموقف الذي يمحو مخططات الأمهات المرسومة بأقلام الرصاص، ويشعل فلذاتهن.

كان التغيير يطرأ على كل الأشياء، وبالذات ذواتنا، فيقلبها رأساً على عقب، قلباً لا ينجو منه إلا من يتقن السباحة في الدم، والأرق، أما من لا يتقن فيظل منسياً في محاولات النجاة من الغرق، لم أكن أتقن ذاك النوع، وبدأت أتخبط بعضلات رخوة، ونفس كاد أن ينقطع مع انقطاع الطرق، والطرقات، وتحوْل الوطن إلى سفينة تغرق غرقاً لا يقل ابتذالاً عن جملة “الوطن سفينة”، سيما أن هذا كان طوفاناً لا نوح فيه، وكان الشاطر من يهرب قبل فوات الأوان.

عقدنا العزم على ” تلتين المراجل” إذاً ـ النا دالة علينا أنا وأخي الأشطرـ أعلنا حالة الهجرة، حبكنا خطاباً في السر لنلقيه أمام الوالدة التي رفضت أن ترمينا في البحر كباراً، حضرّنا أوراقاً ستتبلل لاحقاً، حقائب خاوية كنفوسنا، يقين بأننا لن نفترق، وثقة بأن الماء سترفعنا إلى مكان أجمل، ومستقبل أفضل ينتظرنا على الضفة الأخرى.

سِرنا بداية في طريق طويل كسلاسل الأفكار التي تقيد استمتاعنا بالطبيعة الخلابة، الأشجار الخضراء، والزهور المتفتحة على الطريق، الزهور الحقيقية لا شقائق النعمان، وانتقلنا منه إلى شاطئ مخبئ، سنتلقى فيه محاضرات عن سرعة البديهة، التخلي، والروح التي لا روح بعدها.

لم تطل تلك الرحلة طويلاً، لم تكن رحلة أصلاً، سرقنا المهرب وتركنا في الخلاء، لا خيار لنا سوى الرجوع الذي لم يكن خياراً، مرت الدقائق ثقيلة كما كلماتنا التي تهرب منا، وذكرياتنا التي تلتصق بنا أكثر فأكثر، مستندة إلى العجز الذي ينهش روحنا، والندم الذي لا يعرف إن كان له مكاناً شاغراً بيننا بعد.

كان علينا أن نعدّ ما تبقى من أوراقنا المالية لنجد حلاً، المفاضلة ليسافر واحد فقط، لعبنا الحجرة ورقة مقص، وكل منا يأمل أن يربح الآخر، لئلا يكون ظالماً فيتقلب في سريره إلى الأبد.

أعدنا الكرّة عدة مرات أملاً بأن نتعادل ربحاً، أو خسارة، وربح أخي في كل مرة، كانت الإرادة الإلهية واضحة، على الذكور أن يرحلوا.

رحل، وعدت أدراج الرياح، بخفي حنين، بالكثير من الحنين، الشتات، والتيه.

لم يكن الوطن الذي فارقته ليومين الوطن ذاته حين عدت، كما لم أكن أنا، كنت أحمل ضياعاً يكبرني بسنوات، علي أن أداريه كما أداري التجربة، وفشلها، رهاب الماء، والسفر، كنت بلا هوايات تقريباً.

هوايتي الوحيدة ـ إن اعتبرناها هواية ـ صنع سفن من ورق، تتبلل، وتغرق في شبر ماء، كان على السفن أن تكون صغيرة كأحلامي، كلما كانت السفينة أصغر من سابقتها أصابتني سعادة لا مثيل لها، جهزت عدة أساطيل بحرية كما أسميتها، ونشرتها في كل مكان كي لا يتبلل مسافر، أو يغرق.

وحين خصص لي رئيس التحرير خزانة في القاعة لم أجد شيئاً يستحق العرض أكثر من أساطيلي البحرية، كما لم تجد السيدة التي نظفت الخزن شيئاً يستحق الرمي أكثر منها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر