الحب الحب الحب

براءة الطرن

تعرفت على رياض الصالح الحسين مصادفة، شابة تلقي قصيدة “الرجل السيء” بصوت سيء، حثتني على البحث عنه، والغوص في عمق موت الإنسان صغيراً.

تعرفت على القصيدة، قرأتها مراراً، وحفظت جملته اليتيمة “عيناك مرآتان لخمسين قارَّة من الوجع والانتظار”، يتم الجملة ضرب عدد القارات بعشرة، الوجع بعشرة، والانتظار بمئة، لطالما كان الانتظار أقسى من الوجع، هو بابه، مفتاحه، والأعم الأشمل.

عن حيرتي في فهم ذلك، كيف لعيني أحد أن تحمل ذلك الثقل كله دون أن تتهدل أو تسقط!

كيف يتربص الحزن بنا، كيف يجلس على أكتافنا، كيف يمد يده إلى رؤوسنا، كيف ليده تلك أن تتجاوز الجمجمة لتصل إلى لب العقل، وكيف تعيث فساداً!

ثم تعرفت عليك مصادفة، حثني شيء ما على البحث عنك، والغوص في عمق كون الإنسان رجلاً.

أصابعك البيضاء حذفت أغنية “هالأسمر اللون” من قائمة أعددتها للحب الذي يأتي على عجل، قلبت موازين ما أحفظ، وما أعددت، على حين غفلة أتيت، ولم تأت.

عدت إلى وحدتك، أو لم تخرج، ولكن شبّه لي أن تجاوزي لتلك الأسلاك الشائكة المحيطة بك عمل بطولي، يدفعني شيء لا أفهمه، لا شرح له، ولا إيجاز.

خسرت، عدت بلا أوسمة، وبلا نياشين، بندبتين في القلب، وبالكثير من الحنين.

الندبات لا شفاء منها، أعلم ذلك علم اليقين، وأحفظ الندبات الحقيقية على جسدي، تاريخ كل واحدة منها، وعدد السنوات التي مرت دون أن تمحوها، الحب كذلك، لا شفاء منه.

احتضانك كما المرة الأولى من كل شيء، يعيدني إلى النقطة الأولى من كل شيء.

أما بعد، عيناكَ يا صديق ضائعتان، شاردتان، حجر عينك مبلل وطري، يشرح لي ر. ص. ح. جملته عملياً.

عيناك خمسون خيبة، خمسون وجعاً، وخمسون انتظار.

عيناك تنتظران الآتي، ولا يأتي.

أثبت نظري عليهما، أذكر درويش بصمت “عيونك شوكة في القلب، توجعني وأعبدها”، أبتسم، ترد الابتسامة مجاملة، أذوب قليلاً، يعيد جسدك الحاضر الملموس، وروحك الغائبة تشكيلي، وتثبيتي.

نجلس على طاولة لأربع أشخاص، نشغل الكراسي الأربعة، أنا، أنت، واثنين تعرفهما جيداً، بادئ ذي بدء ظننت الأمر لعبة، مغامرة شيقة أدخلتني بها عبثاً، ثم باتت تتخذ منحى جدياً، الآن أعرفهما جيداُ، نضحك جميعاً، ونصمت معاً.

أخبرك عن القصيدة فتزداد ضياعاً، لا يتسع المكان لخيبتك، تلتفت يميناً، تلتفت يساراً، وتختنق، وأختنق.

نخرج إلى دمشق في الوقت الذي تبدل به القدم التي تقف عليها منذ الصباح، وقبل أن تدوسنا أختبئ بك، “في الشارع نبكي”، فأجرب أن أحدثك عن الدنيا لتحبني، أجرب وصفته السحرية:

“حدِّثيني عن الدنيا وقارَّاتها الخمس

وحدِّثيني فيما بعد عن الزمن

وحدِّثيني عن العصور جميعاً

ابتداءً من العصر الحجري القاتل وانتهاءً بعصرنا السفَّاح

حدِّثيني عن السفَّاحين المنتشرين في:

السفارات، الأزقَّة، دور السينما، المطابخ، علب الكبريت، زجاجات مياه بقين، أحذية باتا، ولاَّعات رونسون، شركة ميكروفيلم، جوارب أوغاريت..

حدِّثيني لأحبَّكِ، حدِّثيني لأحبَّكِ”

أتلعثم، تتمسك الكلمات بشفتي السفلي خوف السقوط، تخرّب أحمر الشفاه الذي أتقنت وضعه، لا أتحدث، ولا تحبني.

نسير معاً في شوارع أحفظها عن ظهر قلب، فأراها للمرة الأولى، تطير الفراشات في معدتي كالمرة الأولى، وأترك مع كل خطوة قطعة مني ليحفظني الطريق، وأحفظه.

أضعتك في الزحام، أو لم أجدك، ولكن شبّه لي أني أحتضن كف يدك، طرت عوضاً عن الفراشات هذه المرة، ضحكت كثيراً، درست تأثير المسافة على عدد الضحكات، تأثير المحيط، هذا الوقت من اليوم، والحذاء المريح الذي أنتعله، جربت فرضيات عدة، كيف تنقص الضحكات، كيف تتزايد، كيف تتكاثر، وكيف تستمر، سجلت ذلك على ورقة جانبية، على جبيني من الداخل، وقبل أن أدون أني مدينة لك بذلك أعادني جسدك الحاضر الملموس، وروحك الغائبة إلى الأرض مرة أخرى.

تأخرت كثيراً، ولا أقصد موعد اليوم، تأخرت عن خيباتك الكثيرة، أحلامك الممزقة، آلامك التي تنشر عظامك، وأحزانك اللا متناهية، جئت بإيمان طفولي، قادرة على إصلاح ما خرَّبه الدهر دون أن أكون عطاراً.

انتهت الساعتين ونصف الساعة، قبلتني على خدي وافترقنا، رحلت فلم تسمعني حين قلت:

“للمرَّة الألف أرجوكِ لا تذهبي

للمرَّة الألف آخذكِ بيديَّ

وأركض في حقول الألغام

في حقول الدم

في حقول الحنطة

و أرجوكِ لا تذهبي

لا تذهبي وفي عينيكِ غزالة مذبوحة

لا تذهبي وتحت جلدك يصفّر الموتى بشفاههم المعطَّلة

لا تذهبي يا عزيزتي لا تذهبي”

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر