فوضى في البرامكة وحفر في الحميدية وغوغائية في أقسام الشرطة
عتاب زائر مصري لدمشق ما زال صالحاً منذ قرن

بارحتُ القاهرة وكلي آمال أن أرى سورية المشهورة بطيب الهواء، وعذوبة الماء، وما عليه أهلها مِن الذَّكاء الفطري، ولأختبرها بعد الدستور، ولما وصلتُ مدينة بيروت رأيتُها مدينة تجارية يحقُّ لها أن تُدعى “تاج سورية”؛ لموقعها التجاري، ووجدت أهلها على غاية من النشاط، كأن نفوسهم فطرت على حب التقدم والارتفاع، وقلوبهم تتقدم غيرة على الوطن، فاستبشرت بمستقبلها خيرًا عظيمًا، وبعد أن سرحتُ الطرف فيها بضعة أيام عزمتُ على السفر لزيارة دمشق، وكنت متشوقًا لرؤيتها؛ لمكانتها التاريخية، وجمال مناظرها الطبيعية، ولما سار القطار من بيروت أخذتُ أُسرح طرفي أثناء الطريق في تلك المناظر الجميلة، وعندما وصلنا الزبداني وأخذ القطار يؤم دمشق شعرت بلَطافة الهواء، وازدياد جمال المناظر التي يدهش لها الرائي، ويرقص قلبه بها مسرة وابتهاجًا، وأينما حولت وجهك فلا تجدُ غير غياض نضرة من الأثمار والفواكه، ومروجًا خضراء، وأشجارًا مُثمرة تَحمل ما طاب على اختلاف أنواعه وتعدُّد أصنافه، وترى بَرَدَى بعد اختلاطه بماء الفيجة يخترقها، وماؤه يتلألأ كاللُّجين.
وما أنسى ولا أنسى في حياتي عذوبةَ ماء الفيجة، على برودته التي تَزيد عن الماء المثلج، وكيف ينعش النفوس ويُحيي الأفئدة، فقلتُ في نفسي: إذا كانت ضواحي دمشق بهذه المثابة، فكم يكون جمال تلك المدينة يا ترى؟ وقد توفرت فيها المياه الغزيرة، والهواء العليل، والجو الجميل، فيا ليتني كنت دمشقيًّا؛ لأتمتَّع أبدًا بما حوت من ضروب الجمال.
ولما بلغت موقفَ البرامكة تغيَّرت أفكاري؛ لأني رأيت المحطة حقيرة لا تَصلح لمدينة كدمشق تحوي ثلث مليون من السكان، ووجدت الناس تَموج فيها موج البحر، والشمس تَلفح وجوههم، والغبار يُعمي عيونهم، وهو يتصاعد إلى عنان السماء، والصياح فيها يصمُّ الآذان، وقد اختلط الحابل بالنابل، كأن القيامة قامت، ولم أرَ فيها أثرًا للترتيب، وعاينت الحمالين والحوذيِّين، وهم بلا إشارات أو أعداد متسلسلة تُوضع على أيديهم؛ ليهتدي بها المسافر فيما إذا فرَّ أحدهم، أو أتى بحركة مخلة، فيخبر البوليس عنه، وعندها يسهل القبض عليه، كما هي العادة في البلاد المتمدِّنة، وعند خروجي مِن المحطَّة رأيت المركبات مرصوصة بلا انتظام، واقفة ذات اليمين وذات الشمال، والوصول إلى إحداها أمنَع مِن عُقاب الجو، فلا تجد إلا خيولاً جامحة، وضوضاء شديدة، والحوذية يَصيح بعضهم في وجه صاحبه؛ ليفسح له طريقًا، وهي لا ترى منفذًا لها، كأنَّ تلك الساحة التي تجتمع فيها هذه المركبات منبع الفوضى ومبعث الخلل، ولا تجد بوليسًا في تلك الساعة ليمنع المخاصمات والملاكمات، وحاملو أمتعة الركاب لا يتوصَّلون لوضع ما يَحملونه لتلك العجلات إلا بشق الأنفس وعرَق الجبين، وما وصلت الفندق حتى هنأتُ نفسي ألف مرة على الخلاص من ذاك الازدحام الهائل.
وفي أثناء إقامتي في دمشق لا تمرُّ ليلة مِن الليالي إلا وأسمع فيها طلقات العيارات النارية تَخترق الفضاء، فارتعدت فرائصي لأول وهلة، وفارَقني لذيذ الرقاد، ولم يسكن رَوْعي حتى استجلَيت الحقيقة، وعلمتُ أن سبب ذلك هو نُزول أثمان الأسلحة والخرطوش، وتهاون إدارة البوليس في إلقاء القبض على مَن يُطلِق تلك العيارات النارية حُبًّا في راحة الأهلين، فما أحرى دائرة البوليس أن تمنَع إطلاق الرصاص في الفضاء، وأن تعيِّن بوليسًا يقف بالمحطة المذكورة؛ ليدفع فوضى وقوف المركبات، ويأمُر حوذيِّيها بأن يقفوا بعجلاتهم صفًّا صفًّا مُتراصَّات، كما هي العادة في مصر، التي هي مِن البلاد الشرقية، ولا يَخفى أنَّ وجود البوليس في محطات السكك الحديدية في المدن من ألزم اللزوميات.
وفي ثاني يوم مِن وصولي إلى دمشق خرجت من الفندق قاصدًا الفرجة على شوارع المدينة، ولما انتهيت إلى ساحة دار الحكومة رأيتُ مَركبات الترامواي واقفة في طريق المارِّين عند منتهى شارع السنجقدار، على أنَّ الساحة متَّسعة، وكان الأجدر بشركة الترامواي أن تجعل موقف مركباتها في مُنتصَف الساحة؛ كيلا تُضيِّق العبور على المارين!
وأعجب من هذا سير العشرات من الحمير والدواب في الشوارع العامَّة بلا أعنَّة، وهي تركض كالبرق الخاطف، والناس يتزاحَمون بالمناكب؛ هربًا من طريقها؛ خشية أن يصابوا بأذاها، فهلا يوجد طريقة لمنع هذا الضرر عن العباد؟ ولا يكلِّف الحكومة منع هذه العادة الوحشية سوى التشديد على سائقي الدواب، والتنبيه عليهم، فيما أحسب؛ كأن لا يجوز لأحدهم سوق أكثر من ثلاثة حمير، مع وجوب وضع أعنَّة لها، وهو أمر قريب المنال، ولكن قاتَلَ اللهُ الإهمال!
أردتُ في بعض الأيام وضع رسالة في إدارة البريد، فسألت عن محلها، وكنت حينئذ أمام صيدلية البلدية، فقال لي أحد المارِّين: إنها في هذه الحارة، وأشار إليَّ بإصبعه، ولما كان منظر هذه الحارة كئيبًا، وهي قديمة العهد، ظننتُه مازحًا، فاستعدته الجواب، فأكَّد لي قوله، فقلتُ له: كيف يكون هذا موضعها، وإدارة البريد ينبغي أن تكون على الشوارع في أهمِّ بقعة مِن المدينة؟! فقال: إن إدارتها آيلة للسقوط، فاستأجَرَت هذه الدار مؤقتًا ريثما تجدد إدارتها القديمة، وكان في وسعها أن تَستأجِرَ محلاًّ على الشارع، وربما يكون لها عذر، فدخلتُ ووضعت فيها رسالتي، فلمحتُ أن أعمالها ليست على ما يُرام، فقلت بنفسي: أحشفًا وسوء كيلة؟
وبعدها دخلت إدارة البوليس لأرى سير أعمالها، فرأيتُ غوغاء وضوضاء، فشعرتُ مِن خلال أشغالها كأني أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا.
كما أني دخلتُ دائرة العدلية لأشاهد ما فيها من إقامة العدل، فتنقَّلتُ في غرف مَحاكمها، فلم أرَ فيها ما يسرُّ، وهي في حاجة شديدة إلى الإصلاح.
وعند المساء قصدتُ المرجة التي هي متنزَّه الدمشقيين، فرأيتُها تسرُّ الناظرين بجمالها الطبيعي، غير أنها – ويا للأسف – خالية من الترتيب والانتظام، حتَّى إنه لا يوجد فيها قهوة تستحقُّ الجلوس فيها، وقهاويها أشبه بعشش الفلاحين بمصر، ولو نظمَت فيها قهوة واحدة وجعلت القيمة ضعفَي الثمن الحالي، لاستفاد صاحبها، وسُرَّ مواطنوه.
ولقد استغربت جلوس النساء حوالي سواقي المرجة يفترشن الأرض الرطبة، ويأكلن المآكل الثقيلة، ويشربن من تلك السواقي القذرة، ولولا جودة هواء المدينة لانتشرتِ الأمراض وعزَّ زوالها، وإني لأشكر الحكومة كثيرًا لاهتمامها بجلب ماء عين الفيجة بقساطل حديدية إلى داخل المدينة، وهي مَأثُرة تُمدح عليها من جميع الأهلين.
أما شوارع مدينة دمشق فرأيتُها في أشد الحاجة إلى الترميم والإصلاح، وظننت لأول وهلة أن ليس في المدينة دائرة بلدية، بل إنَّ الأهلين هم القائمون بنظافتها، ومن موجبات الأسف أني مررتُ بشارعَي مدحت باشا وسوق الجديد (الحميدية) راكبًا في إحدى المركبات، فرأيتها تهوي بي وتصعد، مما أزعجني وكدرني، على أن تمهيد أرضهما لا يكلِّف البلدية إلا قليلاً من المال، وهي تستطيع تسويتَهما مهما كانت فقيرة، أمَّا إذا كانت لا تحب أن تعمل عملاً ما غير جلوس أعضائها على مقاعدهم، فلتأمر أصحاب الحوانيت بأعمالها، فلا يخص الواحد أكثر من بضعة قروش.
ومررتُ في أحد الأيام مرتين في سوق الدرويشية قبل الغروب وبعده، فظننتُ أن فيه معرضًا للرياضة والقفز، والمأكولات والفواكه؛ لأني رأيت خلقًا كثيرًا هذا يقفز وذاك يَصطدم برفيقه، وآخر مُهرولاً، وغيره راكضًا، وما لبثتُ قليلاً حتى أدركت سِرَّ تلك الحركات المختلفة، وفهمتُ أسبابها عندما شاهدت الترامواي والعربات والدواب تتزاحَم على العبور، والناس يفرُّون مِن وجوهها؛ محافَظةً على حياتهم، ومما يزيد في الطنبور نغمة، شَغْل الأرصفة بأطباق بائعي الثمار والخبز وغيرها، وهي تعد بالعشرات، ولا تسمَع إلا أصواتًا منكَرة على نغمات نفير الترامواي والعجلات، وأسواط الحوذية صاعدة على خيولهم تَزيد المارِّين طربًا وأشجانًا، ولو صادفت عدم وجود الأطباق تجاه بعض الدكاكين، فيكون أصحابها تاركين دكاكينهم مُشتغلين بصناعاتهم المختلفة على الأرصفة، فلا تَرى إلا خرَّاط الكراسي يُداعب المارِّين، بدفع آلته الطويلة وجذبها، فيَمنعهم عن المرور، ومثله الحداد والنحَّاس يَطرقون بمطارقهم، وإلى جانبهم بعض مَصنوعاتهم، ومثل ذلك قُلْ عن باقي الحِرَف الأخرى، والناس يتألَّمون ويتضجَّرون، ولا مِن مُجيب!
وعندما عُدت بعد الغروب من ذلك الشارع، رأيتُ القهاوي مُنتشرةً على الأرصفة، ونصَب أصحابها المقاعد والكراسي، وعلَّقوا المصابيح والناس جالسون عليها، وصاروا سدًّا منيعًا في طريق المارِّين، فكان الواجب على البلدية أن تمنَعَ شغل هذه الأرصفة؛ إذ تَستجلب المناطيد الهوائية على نفقتها لركوب المارين، وربما تراني – أيها الصديق – أكثرت مِن انتقاد ما رأيته في دمشق، ومتى أمعنت النظر فيما قلتُه لك، تجدني لم أنتقد إلا الأشياء الطفيفة التي لا تَحتاج الحكومة أو البلدية لإزالتها عناءً أو مشقةً، بل يكفيها قليل مِن الاهتمام براحة الأهلين.
أما أهالي دمشق من حيث المجموع، فإني وجدتُهم أذكياء، متوقِّدي الذهن، قريبين للإصلاح إذا قادهم المنوِّرون إلى الترقي والتقدم، ولولا تواكلهم واعتمادهم على الحكومة في كل شيء مِن ضروب الارتقاء، لمشوا خطوة واسعة في المدنية والحضارة، وسبقوا أكثر الشعوب الحية، فحبذا لو تنبهوا واعتمدوا على أنفسهم بعد الآن، فلا يمضي وقت طويل إلا وهم في مقدمة الولايات العثمانية، فأسأل الله لهم مستقبلاً زاهرًا بمنِّه وكرمه.

أحمد حلمي خيمي

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر