يوم أدارت أغنية لفؤاد غازي المعامل المتوقفة

كانت الثمانينات الكئيبة مليئة بالأعاجيب، كان يمكن أن يحدث فيها أي شيء، خصوصاً تلك الأحداث التي يمكن ان تعثر عليها في مكانين في العالم: سورية أو روايات خيالية من أمريكا اللاتينية (المسماة بدقة: الواقعية السحرية).
ومستند تلك العجائب كان تواطؤاً نادراً بين شعب كامل (كان عدده 12 مليون وقتها) على أن ما يحصل بينننا يبقى سراً بيننا ولا نتحدث عنه لأحد، ولا يعرفه أحد سوى نحن ال 12 مليون فقط.
على ذاك المستند وقعت أحداث يمكن ان تملأ مجلدات من الغرائب التي لا يصدق عقل انها حصلت حقاً، وستعتقد الاجيال القادمة أن من رووها لم يكونوا صحفيين يوثقون ما عاشوه، بل روائيين عظماء اطلقوا لخيالهم العقال.
كانت الصناعة في ذلك الوقت تعني معامل القطاع العام، وقد مرّت فترة في الثمانينات توقفت فيها عجلة الانتاج تقريباً لعدم توفر المواد الاولية لبعض المعامل وعدم توفر قطع الغيار لمعامل أخرى، وسوء الإدارة لمعامل ثالثة، وفي تلك الفترة كانت السوق تفتقر لمعظم المواد الأساسية، وكان كل شيء مقنن ومحدود ويحتاج للوقوف في طوابير او اللجوء لواسطات للحصول على علبة محارم أو كيس اسمنت أو علبة سمن.
كانت البلاد بأسرها تعرف أن المعامل لا تنتج كما يجب، وبعضها لا ينتج أبداً، في تلك الفترة ظهرت إلى العالم أغنية لفؤاد غازي (أجمل الأصوات الغنائية السورية في تلك الفترة) تمجّد بالانتاج الصناعي، وتحفز المعامل لتعمل بطاقتها القصوى، عبر تكرار مبالغ فيه لكلمة (دوري)، والتي قصد بها الشاعر دوران المكنات في المعامل، وساهم المطرب في زيادة جرعة التحفيز عبر تفخيم للـ “نا” الدالة على الجماعة في كلمة معاملنا، وتخفيفها في كلمات أخرى مثل أمانينا وليالينا وحاضرنا ومستقبلنا، وهذا يعني فيما يعني أن المعامل لنا، للشعب، لفؤاد غازي وأنا وانت…
تبدأ الأغنية بلازمة تتكرر ثلاث مرات:
يا معاملنا دوري دوري دوري
يا معاملناااا غنّي ودوري
دوري بامانينا … غنّي بليالينا
دوري دوري دوري
وهي من ألحان عبد الفتاح سكر وكلمات (هل تحتاج لكاتب كلمات حقاً؟)، وأصبحت لسنوات هي الاغنية المعتمدة في الإذاعة والتلفزيون للتكرار في مناسبات مثل عيد العمال وانعقاد المؤتمرات النقابية العمالية واختتام الفقرات في برنامج (مع العمال).
الفكرة برمتها كانت لطيفة في ذلك الزمن، ومناسبة للمرحلة، لولا تفصيل بسيط، وهي أنه حين كلفت إدارة التلفزيون فريقاً لتصوير (ما يشبه الفيديو كليب) للأغنية، لم يجدوا معملاً مناسباً لتصوير لقطات يستخدمونها في الكليب، وقد روى مخرج أحد البرامج النقابية في تلك الفترة، أنهم حصلوا على مساعدة عظيمة من مدير أحد معامل القطاع العام في ريف دمشق، تفهّم خطورة وحساسية المهمة الوطنية، فأدار آلات معمله وترك العبوات المعدنية تمر أمام الكاميرا على السيور الناقلة لتغلق وتختم وتوضع عليها الأغطية واللصاقات، ولكنها كانت ببساطة: عبوات فارغة….
وبذلك كانت تلك اللقطات أصدق إخراج لفيديو كليب في تاريخ الغناء، لأنها كانت تدور وتدور كما تأمرها الأغنية، ولكنها كانت حقاً مملوءة بأمانينا….

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر