“أمازون”.. متجر الكتب المستعملة الذي صار أعظم شركة في العالم

كيف رأى جيف بيزوس المستقبل في بلّورة سحرية

قبل خمسة وعشرين عاما، رأى جيف بيزوس مستقبلاً يتمكن فيه المرء، عبر نقرة على فأرة الحاسوب، من جلب ما يشاء، بدءاً من طعام الحيوانات الأليفة وصولاً إلى الكافيار؛ ورأى أن شعبية مراكز التسوق ستتراجع، وأن الأسواق في حاجة إلى تقديم عوامل ترفيه وراحة لكي تستمر.. ثم استطاع بيزوس في ضوء ذلك أن يشيد امبراطورية.
يعلق مقال نشره موقع بي بي سي على الانترنت: “ربما امتلك جيف بيزوس كرة بلورية سحرية كتلك التي يمتلكها العرّافون واستطلع آفاق المستقبل”.
لقد أصبحت شركة أمازون لتجارة التجزئة عبر الإنترنت، التي أسسها بيزوس عام 1994، ثاني شركة يتخطى رأس مالها تريليون دولار في العالم في أيلول 2018 (بعد شركة أبل بفارق ضئيل)، متحولة من موقع تجاري صغير لبيع الكتب المستعملة إلى شركة عالمية عملاقة للتجارة في كل شيء.
لكن حلم بيزوس، الذي أصبح أغنى شخص في العالم، أكبر من مجرد إعادة تشكيل سوق التجزئة في العالم، وهو الآن يمتلك صحيفة الواشنطن بوست، وتتطلع شركته الفضائية “بلو أوريغين” إلى نقل معدات وأشخاص إلى القمر بحلول عام 2024.
وفي أيلول 2018، تعهد بيزوس بتخصيص ملياري دولار من ثروته لتمويل شبكة من رياض الأطفال ومساعدة المشردين في شوارع الولايات المتحدة.

السرير كان البداية

لقد ظهرت علامات طموح جيف بيزوس قبل عقود، وكان أبواه صغيرين في السن وسرعان ما انفصلا لتضطلع بتنشئته، في تكساس وفلوريدا، أمه جاكي وزوجها مايك بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون.
وقد أظهر بيزوس الصغير ميلا مبكرا للهندسة والعلوم، إذ قام وهو في الثالثة من عمره بتفكيك سريره، بحسب ما يروي براد ستون في كتاب للسيرة الذاتية صدر عام 2013.
وفي خطاب التخرج من المدرسة الثانوية، وضع بيزوس تصورا لتدشين مستعمرات في الفضاء الخارجي، وفي جامعة برنستون، تخصص في دراسة الهندسة وعلوم الحاسبات، وقد استخدم مهاراته فيما بعد في شركات مالية في نيويورك. وهناك التقى زوجته السابقة، ماكينزي، أثناء عملهما في شركة “دي إي شو” لصناديق الائتمان.
وفي عامه الثلاثين، استقال بيزوس بعد وقوفه على إحصاءات تشير إلى النمو السريع الذي حققه الإنترنت.
في عام 2010، وفي خطاب ألقاه في جامعة برنستون، تذكر بيزوس قراره الخاص بالاتجاه غرباً والشروع في تدشين أمازون باعتبارها “المسار الأقل أماناً”.
يقول بيزوس: “قررت أن أحاول. لم أظن أنني سأندم على المحاولة والفشل. وخفت من أن يسكنني على الدوام قرار عدم الإقبال على المحاولة على الإطلاق”.
وأقدم بيزوس على المحاولة ودشن أمازون بمبلغ يتجاوز المئة ألف دولار من ماله الشخصي وأموال عائلته، التي سرعان ما سددها.
وفي غضون شهر واحد من تدشينها عام 1995، شحنت أمازون بالفعل طلبيات إلى 50 ولاية أمريكية و45 دولة حول العالم.
ولم تكد تمضي خمس سنوات من تدشينها حتى قفزت حسابات عملاء أمازون من 180 ألف إلى 17 مليون، وارتفعت المبيعات بسرعة الصاروخ من 511 ألف دولار إلى أكثر من 1.6 مليار دولار.
واتجه مستثمرون كبار إلى الشركة في ظل الموجة الأولى من حماس الشراء عبر الإنترنت. وبحلول عام 1997 حققت أمازون أرباحاً مقدارها 54 مليون دولار ليتحول بيزوس، الذي كان يساعد ذات يوم في تعليب طلبيات الكتب، إلى أحد أغنى أغنياء العالم وهو لم يناهز بعدُ عامه الخامس والثلاثين.
وفي عام 1999، اختارته مجلة تايم كأحد أصغر مرشحيها على الإطلاق فيما يعرف “بشخصية العام”، واصفة إياه بـ “ملك التجارة عبر الإنترنت”.

أسلوب حاسم في القيادة

تميز بيزوس بأسلوب حاسم في القيادة، وتبنى في قيادة أمازون استراتيجية وصفها بالطويلة المدى حيث التركيز منصبّ على العملاء.
وعلى الصعيد العملي، كان معنى ذلك أن الشركة مستعدة لإنفاق المال في سبيل الربح، كأنْ تخفض الأسعار وتقدم عروضا بالشحن المجاني، ومن ذلك أيضا قضاؤها سنوات في تطوير أجهزة مثل “كيندل” للقراءة الإلكترونية.
على أن أمازون لم تكن تترد كذلك في الادخار قدر الإمكان، ومن ذلك إلزامها موظفيها بالدفع مقابل ركن سياراتهم، ومُفاصلة المورّدين، ووقوفها ضد جهود قيام تكتلات عمالية في فروعها، وتفادي الضرائب قدر الإمكان.
وقد واجهت الشركة بعض الإخفاقات، لكن حتى تلك الإخفاقات تبدو اليوم دليلا على الروح القتالية التي لا تعرف الهزيمة وعلى الاستعداد لخوض المحاولة والتجربة.
وحققت أمازون أرباحاً تجاوزت 230 مليار دولار عام 2018، ووظفت نحو 650 ألف شخص حول العالم، وهو عدد يفوق عدد سكان لوكسمبورغ.
وتوفر أمازون خدمات لوجستية، وخدمات تخزين وقروض ومنصات للبيع، لمئات الآلاف من التجار الذين يعتمدون على أمازون للبيع عبر الإنترنت. ويمسك فريقها الخاص بالحوسبة السحابية زمام القيادة عالميا في هذا المجال.
وتقدم أمازون أساس البنى التحتية لكبريات الشركات مثل “اير بي إن بي” و”نتفليكس”، فضلا عن مليون عميل آخر تسيطر أمازون بفضلهم على مساحات كبرى من شبكة الإنترنت.
واشترت أمازون أسهما في شركات أو استحوذت على شركات متخصصة في صناعة الروبوت والإعلانات والسيارات ذاتية القيادة، فضلا عن شركة كبرى أخرى في الحوسبة السحابية. ويقول الرؤساء التنفيذيون في أمازون إنهم دائمو التطلع إلى صفقات أخرى.

عدو خطير اسمه ترامب

وجرّ نجاح أمازون عليها انتقادات تتعلق بممارسات احتكارية وضرائبية، بل وامتد الأمر إلى مساءلتها عن ارتفاع أسعار البناء في منطقة سياتل حيث مقر الشركة.
وتتطلع أمازون لنباء مقر رئيسي آخر في نيويورك، لكنها تراجعت أمام ما قالت إنه معارضة شرسة من السياسيين المحليين، والتي أثارتها موافقة السلطات في المدينة والولاية على تخصيص ثلاثة مليارات دولار حوافز لأمازون.
وتعتبر الحوافز الضريبية المقدمة لإحدى أنجح شركات العالم غرضا مشتركا تتوحد عليه أسهم النقاد.
وفي مواجهة هؤلاء النقاد، شرع بيزوس في تعزيز وجوده شعبيا على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، حيث يشارك صورا لوالديه وينشر مقاطع فيديو للتزلج في النرويج.
كما تصدت أمازون لتلك الانتقادات عبر مضاعفة إنفاقها على جماعات الضغط التي تستهدف كسب التأييد منذ عام 2014، ليصل مجموع إنفاقها إلى 14.4 مليون دولار العام الماضي.
وعلى الرغم من تلك الجهود، فإن للشركة ناقدا رفيع المستوى هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويعكف ترامب عبر تويتر على اتهام أمازون بالتحايل على الخدمة البريدية في الولايات المتحدة واستغلالها على حساب دافعي الضرائب الأمريكية.
ويصر ترامب على ربط أنشطة أمازون بأنشطة الواشنطن بوست، رغم استقلالية الصحيفة، التي اشتراها بيزوس عام 2013.
ويواجه بيزوس بعد أن قاربت ثروته 160 مليار دولار أسئلة عن نشاطه الخيري المحدود نسبيا. وفي أيلول الماضي، أعلن أغنى رجل في العالم عن تخصيص ملياري دولار من ثروته لتمويل رياض أطفال وإيواء مشردين في شوارع أمريكا.
لكن هذا التعهد من مالك أمازون ووجه بانتقاد شرس. وقال بيزوس إنه توقع أن ينتهج في العمل الخيري أسلوبا مغايرا لنهجه في عالم الأعمال، عبر التركيز على الأثر الفوري أكثر من الأثر بعيد المدى.

ولكل صحيفة “كتاب”
هل تموت الصحافة الورقية عام 2043؟

“استمتعوا بهواتفكم الحقيرة”.. بهذه العبارة ودعت صحيفة الـ “إكسبريس” الأميركية قراءها، منذ نحو شهرين، معلنه نهاية نسختها الورقية التي عمرت لـ 16 عاماً فقط.
ونشرت صحيفة “واشنطن بوست”، والتي كانت الاكسبريس تصدر عنها، مقال عزاء لقرائها تطرقت فيه إلى مسيرة الصحيفة مشيرة إلى أن الإكسبريس أصدرت عددها الأول في عام 2003 “ولم يكن يومذاك شيء اسمه iPhone ، ليمر عام آخر قبل أن يبدأ طلاب جامعة هارفارد باستخدام شبكة اجتماعية جديدة تسمى فيسبوك للحفاظ على علامات التبويب بين زملائهم في الفصل، ولم يكن أي شخص يغرد بأي شيء أو يتفاعل على انستغرام أو سناب شات. وكنا نسخر من أصدقائنا المدمنين على بلاكبيري والذين لم يتمكنوا بعد من التحقق من بريدهم الإلكتروني..”.
لم تكن هذه سوى إشارة في سلسلة طويلة من الإشارات، ففي العام 2013 جاءت علامة القلق الأبرز على مستقبل الصحافة، عندما أوقفت صحيفة “لويدز ليست” البريطانية نسختها الورقية، وهي التي تأسست عام 1734، ثم تبعتها مجلة نيوزويك الأميركية التي اكتفت بنسختها الالكترونية..
وفي عام 2016 أعلنت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية التوقف عن إصدار طبعتها الورقية في آسيا وأوروبا، في ظل تراجع الإيرادات (خسارة قيمتها 643 مليون دولار أميركي في عام واحد).
وفي العام نفسه، أنهت صحيفة الإندبندنت البريطانية ثلاثمئة عام من إصدارها الورقي بهذه العبارة: “اليوم توقفت المطابع وجفّ الحبر وقريباً لن يُصدر الورق حفيفاً”، معلنة الاكتفاء بإصدار رقمي بعد أن انخفضت نسبة توزيعها من 450 ألف نسخة في اليوم إلى 40 ألفاً فقط.
وكذلك فعلت صحيفة الباييس الإسبانية الشهيرة، وصحيفة “بوينس آيرس هيرالد” الأرجنتينية (عمرها140 عاماً)، وإن كانت بعض الإصدارات الورقية لم تتحول إلى الكترونية إلا أنها قامت بتقليص أرقام توزيعها وإلغاء آلاف الوظائف وتسريح عدد كبير من العاملين فيها، بينها صحف واسعة الانتشار مثل “شيكاجو تربيون” و”بوسطن جلوب” و”لوس أنجلوس تايمز”، وحتى مجلة “تايم” الأمريكية الشهيرة طالتها التغييرات أيضاً.
والجملة نفسها تقريباً كانت ترافق كل هذه النعوات: “بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وتحول القراء بشكل كبير إلى الصحافة الرقمية”.
يلخص الصحفي الفرنسي برنار بوليه، في كتابه “نهاية الصحف ومستقبل الإعلام”، الأسباب التي أدت إلى تراجع الصحافة الورقية أمام وسائط الانترنت: فهناك أولاً انخفاض في الميزانيات الإعلانية للصحف التقليدية واتجاهها نحو وسائل الإعلام الإلكترونية.
وعلى سبيل المثال فقد قل الإنفاق على الصحف الورقية في الولايات المتحدة بشكل كبير بعد أن انخفضت الإعلانات التي تحصل عليها هذه الصحف من 46 مليون دولار عام 2003 إلى 23 مليون دولار عام 2011.
أما السبب الثاني فهو عدم اهتمام جمهور الشباب بالمطبوع، وتغير أنماط التفكير والقراءة لدى مجتمع المعرفة، وكذلك انتصار ثقافة الحصول المجاني على كل شيء، “وهذه هي الثورة التي تعصف بالصحافة المكتوبة في كل مكان”.
يقول بوليه: “أما ديمقراطية الإنترنت فقد فرضت فرزاً للإعلام. من جهة معلومات غنية للأغنياء منتقاة ومنظمة ومحققة، ومن الجهة الأخرى معلومات فقيرة للفقراء مجانية وسريعة ومكررة، لكنها آلية وخاضعة للعمليات الحسابية لأباطرة الإنترنت الذين يقدمون خدمات مجانية تسمح لهم بتسجيل بيانات كل مستخدم للشبكة وتستشف ما يبحثون عنه ومن ثم تحقيق المكاسب. تفاعلات جذرية جمة يمر بها عالم الإعلام الذي يتغير نحو آفاق أخرى قد تصيب بالذعر”.
ويشير خبراء إلى أن تكلفة إنشاء المواقع الالكترونية أقل من تكلفة إنتاج الصحف، سواء من حيث إنتاج المطبوعة أو من حيث تكلفة الإعلانات، كما أن تأثير المواقع الالكترونية أصبح أكبر من تأثير الصحف الورقية وذلك من خلال استخدام أنشطة الفيديو والفيديو التفاعلي والصور الحية في وقت الحدث..
إن أبرز ما يميز الصحافة الرقمية هو كونها صحافة تفاعلية، فبإمكان المتصفح التعليق على الخبر فور قراءته والتواصل مع جمهور لا يعرفه ومناقشة الآراء معهم، كما أن لديه الفرصة لإرسال الأخبار ونشرها باسمه.
ويقول الخبير العالمي روس داوسون، المعروف بتخصصه في تقديم قراءات استشرافية للمستقبل، إن الصحافة الورقية سوف تنقرض أو على أقل تقدير سوف تفقد قيمتها في المستقبل، وبنسب وأطر زمنية متفاوتة، حيث توقع أن تكون الولايات المتحدة الأميركية هي أول دول العالم التي تتحقق فيها هذه النبوءة.
وأضاف “أما عن بريطانيا فستبدأ الصحافة في الاختفاء تدريجيا بحلول عام 2019 وفي عام 2020 ستختفي من ايرلندا والنرويج، وفي فرنسا وبسبب الدعم الحكومي فالصحافة الورقية ستصمد حتى عام 2029 وستبدأ في الاختفاء من ألمانيا بحلول عام 2030.. والإمارات ستكون من أولى الدول العربية التي ستتخلى فيها الصحافة الورقية التقليدية عن مكانتها لصالح الإلكترونية بحلول العام 2028، تتبعها السعودية بفارق ست سنوات أي في العام 2034، بينما ستفقد الصحافة المطبوعة قيمتها وتأخذ طريقها نحو الانقراض الكلي في أغلب دول العالم اعتباراً من العام 2040”.
وقريب من هذا ما توقعه فيليب ميير في كتابه “نهاية الصحيفة”، إذ قال “إن العام 2043 سوف يشهد نهاية آخر صحيفة ورقية في الولايات المتحدة”.
بالمقابل لا يزال كثيرون يعتقدون بوجود فرصة كبيرة لاستمرار الورق، ويشير هؤلاء إلى أن بعض الدول تشهد رواجاً للصحافة الورقية، ويقدمون أرقاماً ومؤشرات إحصائية لزيادة المطبوع في دول كالهند والصين واليابان، كما أنهم يعولون على تحول قريب بالاتجاه المعاكس، إذ ثمة إشارات عديدة على تململ الناس (حتى الشباب) من فوضى الإعلام الرقمي وتصاعد حنينهم إلى الحقائق الصلبة التي يرون أن الورق وحده هو القادر على احتضانها..
ولكن هل يندرج هذا في باب ما قاله الكاتب محمد شومان: “إن حال الصحافة الورقية كحال الرجل المريض الذى ينتظر الموت، لكن أسرته وأصدقاءه، لأسباب عاطفية، يتمنون له الشفاء والعودة للحياة”؟.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر