سبعون طبيباً نفسياً لمعالجة ثماني سنوات من العطب

لدينا كل الأسباب لننتحر ونكتئب ونهيم على وجوهنا

زينة شهلا

يحفل شهر تشرين الأول بأيام وأسابيع تهدف للتوعية بعدد من القضايا الصحية بالغة التأثير على حياتنا اليومية، وتخصص المنظمات الطبية والصحية الأسبوع الثاني منه لرفع الوعي بشأن أهمية الصحة النفسية وتوحيد الجهود لتحسينها في كافة أنحاء العالم.

ليس من الغريب أن تستوقف هذه المناسبة أي صحفي يعمل على تغطية الشأن السوري، فثمانية سنوات من النزاع شديد الوطأة وبالغ العنف في أنحاء البلاد لا بد وأنها خلّفت وراءها تدهوراً غير مسبوق في الصحة النفسية لمعظم، إن لم يكن لجميع، السوريين، فلا أحد أكثر منهم اليوم يمتلك الأسباب الكافية ليكون مضطرباً نفسياً، من فقر وتشرد ونزوح وفقدان للمنزل والممتلكات والإصابة بإعاقات مؤقتة أو دائمة وفقد أفراد العائلة وافتقار للتعليم الجيد وفرص العمل. قائمة أسباب تطول ولا نهاية لها، تقابلها قلة حيلة منا نحن المضطربون نفسياً، فلدينا أقل من سبعين طبيباً نفسياً لنستشيرهم، وبضعة مئات فقط من المعالجين النفسيين لنزورهم، وأيضاً الكثير من التبريرات والحجج كي لا نكترث بصحتنا النفسية في خضم ما نعيشه من ضغوط يومية لا تترك أمامنا إلا الرضوخ لها وإعطائها كامل الحرية لتسيطر على حياتنا.

كم حالة انتحار لدينا في سوريا؟

في العاشر من هذا الشهر، أي ضمن أسبوع التوعية المذكور، احتفل العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، وكان شعار الاحتفال “التركيز على منع الانتحار”، بهدف التوعية بأهمية الوقاية من الانتحار كواحد من أخطر نتائج تدهور الصحة النفسية، حيث تقول أرقام منظمة الصحة العالمية بأن كل 40 ثانية تحمل نبأ انتحار شخص ما حول العالم.

بعد جهد طويل من البحث، وكمعظم القضايا في سوريا، تبين أنه من الصعب العثور على توثيق كامل ودقيق لعدد حالات الانتحار في البلاد قبل أو خلال سنوات الحرب.

مثلاً، توثق وزارة الصحة محاولات الانتحار بين العامين 2013 و2018، والتي ارتفع عددها من 185 عام 2013 إلى 323 العام الفائت، وتتحدث الهيئة العامة للطب الشرعي عن 135 حالة انتحار عام 2015 و59 حالة انتحار في النصف الأول من العام الحالي. بمراجعة بعض الأخبار اليومية على مستوى المحافظات يبدو عدد الحالات أكبر من ذلك، فصفحة السويداء24 وثقت 25 حالة انتحار عام 2018 على مستوى المحافظة وحدها، أي بمعدل حالتين شهرياً، وذلك لأسباب تتراوح بين الظروف الاقتصادية المتردية والمشاكل النفسية والأسرية والعاطفية وتناول المخدرات. بتعميم قد لا يجوز، وبتطبيق معادلة بسيطة بناء على البيانات الديمغرافية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء منتصف عام 2017 والتي تبين بأن عدد سكان السويداء 519,000 وعدد سكان سوريا 21,700,000 نسمة، يمكن أن يصل عدد حالات الانتحار في عموم البلاد إلى أكثر من ألف حالة العام الفائت فقط.

ورغم ذلك، تبقى سوريا في ذيل قائمة أعداد المنتحرين سنوياً على مستوى العالم، حيث تبلغ نسبة الانتحار فيها 2.4 لكل 100 ألف شخص بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية لعام 2016، أي يبلغ عدد حالات الانتحار السنوية فيها حوالي 500 حالة، في حين يصل في بلدان أخرى إلى أضعاف ذلك. لا اعتراض على تذيّل هذه القائمة بالذات.

أرقام أخرى يمكن أن تستوقف الباحث بهذا الشأن. منذ حوالي ثلاثة أشهر، ظهرت على صفحات العالم الافتراضي الأزرق، فيسبوك، مجموعة تطلق على نفسها اسم “الفريق السوري لمكافحة الانتحار“، وتهدف لنشر الوعي حول الأمراض النفسية وضرورة مساعدة الأشخاص المقبلين على الانتحار من خلال تشجعيهم على الحديث عن مشكلاتهم. لفت الفريق، الذي توقف مؤخراً عن النشر على صفحته أو الإدلاء بتصريحات إعلامية، إلى استقباله ثمانين رسالة عبر الصفحة خلال الأسبوع الأول من العمل، من أشخاص ينتمون لمختلف الشرائح العمرية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية، ويفكرون جدياً في وضع نهاية لحياتهم. ثمانون شخصاً يفكرون بالانتحار خلال أسبوع يعني حوالي أربعة آلاف محاولة أو فكرة انتحار على مدار السنة.

ماذا عن الاضطرابات النفسية؟

بعيداً عن الانتحار كنهاية غير مأمولة، يعاني مئات آلاف السوريين اليوم من اضطرابات نفسية تتراوح بين الحادة والمتوسطة والضعيفة.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنه، ومن بين الأشخاص الذين شهدوا حروباً وصراعات، يرجح أن يصاب 5 بالمئة باضطرابات نفسية شديدة، و9 بالمئة باضطرابات نفسية معتدلة إلى شديدة، و22 بالمئة بالاكتئاب أو القلق أو الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام، وهي من الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً والتي تؤثر في الحياة اليومية للمصابين بها وتتسبب لهم بمعاناة على صعيد الحياة الشخصية والعملية والاجتماعية، ويمكن أن تتحول بدورها لحالات صحية بالغة الخطورة.

يعني ذلك، وفقاً للأعداد آنفة الذكر لسكان سوريا، احتمال تعرض حوالي مليون سوري لاضطرابات نفسية شديدة، وحوالي مليون وتسعمئة ألف لاضطرابات تترواح بين معتدلة إلى شديدة، وما يقارب أربعة ملايين وسبعمئة ألف لأعراض نفسية متباينة. المجموع حوالي سبعة ملايين ونصف، يحتاجون لمعاينة طبيب أو معالج نفسي أو الحصول على دعم نفسي واجتماعي، كجزء من ضرورة الاهتمام بالصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.

وفي معظم بلدان العالم يتراوح عدد الأطباء النفسيين بين 3 إلى 45 لكل 100 ألف نسمة، أي أننا نحتاج على الأقل إلى ستمئة وخمسين طبيباً نفسياً ليتمكنوا من علاجنا وتقديم الدواء المناسب للاضطرابات التي يحتمل أن يعانيها كل شخص منّا، لكننا لا نملك عُشر هذا الرقم وهو اليوم حوالي “70” وفق تقديرات وتصريحات العديد من العاملين في هذا المجال والذين قابلتهم “الأيام”، في حين لم يتجاوز هذا العدد المئة قبل الحرب، ولعل هذا النقص مرتبط أيضاً بهجرة عشرات آلاف الأطباء في السنوات الأخيرة.

عزوف عن دراسة الطب النفسي

عند دخول مشفى المواساة الجامعي، والذي يتدرب فيه عادة طلاب كلية الطب في مراحل دراساتهم العليا بعد اختيار الاختصاص الذي يرغبون بمتابعته، لا تصعب ملاحظة تفاوت أعداد الطلاب المقيمين في الأقسام المختلفة، فمثلاً، وفي عامهم الاختصاصي الأول، يختار خمسون طالباً اختصاص الداخلية العامة، وعشرة طلاب اختصاص العصبية أو القلبية أو الغدد، وأربعة طلاب على الأكثر اختصاص الطب النفسي.

ويرجع الطبيب يوسف لطيفة، وهو رئيس شعبة الطب النفسي في المشفى، هذا العدد الضئيل لأسباب عدة، وذلك خلال لقاء مع “الأيام” داخل الشعبة.

يتربع على رأس قائمة هذه الأسباب العامل المادي، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة عمل الطبيب النفسي الذي يرتكز على العلاج الدوائي أو السلوكي ولا يتطلب عمليات جراحية، الأمر الذي يجعل المردود المادي غير محفز مقارنة باختصاصات أخرى.

السبب الثاني، وفق حديث الطبيب، يكمن في النظرة الاجتماعية سواء للطبيب النفسي أو للمصاب باضطراب نفسي، ما يطلق عليه المتحدث “الوصمة”. “يعتبر الطبيب النفسي أقل من غيره من الأطباء في مجتمعنا، كما يشعر مرضى كثر بالخجل من مراجعته”، ويضيف بأن الطب النفسي في سوريا، سواء فيما يتعلق بالمرضى أو الأطباء، “مظلوم للغاية”.

يشير الطبيب يوسف لطيفة، وهو أستاذ بكلية الطب بجامعة دمشق أيضا، إلى ندرة مراكز التدريب والمشافي التي تقدم حوافز وفرص التمرّن والعمل بهذا المجال، ففي دمشق يقتصر الأمر على مشفى ابن سينا ومشفى ابن رشد وشعبة الطب النفسي بمشفى المواساة، في حين لا تضم حلب سوى مشفى واحد هو ابن خلدون.

ويتحدث الطبيب تيسير حسون، المختص بالطب النفسي، بإسهاب أكبر عن تلك “الوصمة” التي تلاحق المرض النفسي في سوريا: “رغم تضاعف الاحتياج بعد سنوات الحرب، يندر أن يختص طلاب جدد بمجال الطب النفسي، فمعظم السوريين اليوم لا يرون بالطبيب النفسي شخصاً يمكن أن يساعدهم خلال الأزمات، وطبيباً كغيره ممن تخصصوا بمجالات أخرى”. ويشير حسون، الذي يعمل ضمن المجلس العلمي للاختصاصات بوزارة الصحة، إلى انضمام طالبين أو ثلاثة على أبعد تقدير كل عام لزملائهم في اختصاص الطب النفسي.

طارق ناصيف، رئيس المقيمين بشعبة الطب النفسي بمشفى المواساة، وهو اليوم في عامه الرابع من هذا الاختصاص الذي اختاره عن حب وشغف، يشير في لقاء مع “الأيام” إلى أسباب أخرى تتعلق بعدم فهم المجتمع بشكل عام لهذا التخصص، وتعرّض من يرغبون باتباعه لضغوط من الأهل الذين يعتقدون بعدم جدواه، والمحيط الذي يرى بأنه مضيعة للوقت. “معقول روّحت ست سنين بكلية الطب لتختص آخر شي طب نفسي؟ هذه أكثر عبارة نسمعها ممن هم حولنا، في حين يعتقد آخرون بأننا نعالج بطرق أثيرية روحية وبأننا لا نفقه بتشريح الجسد البشري أو التحاليل الطبية”.

ويتحدث ناصيف عن الحاجة إلى تخصيص تعويضات لطبيعة عمل الأطباء النفسيين من قبل وزارة الصحة، خاصة مع كمّ العمل الهائل الذي يقع على عاتقهم: “بصراحة لم أكن أتوقع وجود هذه الأعداد الكبيرة من المرضى النفسيين الذين يراجعون الشعبة بشكل يومي، ويحتاجون لتشخيصات وعلاجات دقيقة”. ووفق الأرقام التي قدمها الطبيب يوسف لطيفة، يراجع شعبة الطب النفسي في المواساة بين 15 و20 مريضاً يومياً ويقيم فيها بين 12 و18 مريضاً كل يوم، مع وجود ثلاثة عشر طبيباً مقيماً وعشرين سريراً.

ناقوس الخطر يدق

يدق الطبيب تيسير حسون، خلال اللقاء معه، ناقوس الخطر، فقائمة الانتظار في عيادته الكائنة بمشروع دمر تطول يوماً بعد آخر، مقارنة بمعاينته ما لا يزيد عن خمسة مرضى يومياً في سنوات ما قبل الحرب. وتتراوح حالات مرضاه بين الذهان والاكتئاب الشديد أو المتوسط واضطراب الصدمة الشديد واضطرابات القلق المعيقة واضطراب ثنائي القطب ونوبات الهلع والوسواس القهري والإدمان والضغوط النفسية الخفيفة “التي قد تشمل كل المجتمع” وفق رأيه، وقد تتحول لاضطرابات أسوأ إن لم تخضع للعلاج.

ويعود تضخم هذه الأعداد برأيه لارتفاع عدد المصابين باضطرابات نفسية على اختلاف درجاتها، وأيضاً ازدياد الوعي داخل المجتمع السوري لأهمية الصحة النفسية. “أصبح المرضى اليوم أكثر جرأة لطلب المشورة فيما يتعلق بأحوالهم النفسية، وساهم ضغط الحاجة لحلول جذرية إلى تحوّل هذا الأمر لأولوية لدى كثيرين”. يؤكد الطبيب يوسف لطيفة على هذه الفكرة، فيرى بأن سنوات الحرب كسرت بعض القيود ومنها النظرة للطب النفسي، فزاد اهتمام الناس بصحتهم النفسية وارتفع عدد المرضى، “لكن ذلك للأسف لم ينعكس إيجاباً على زيادة أعداد الطلاب المقيمين وبالتالي أعداد الأطباء” كما يقول.

لكن حسون يلفت إلى أن الخطر الأكبر يكمن في وصول نسبة من يفكرون بالانتحار من مرضى الاكتئاب إلى 15 بالمئة. “عدد كبير ونسبة مهولة، ومسكوت عنها للأسف”، يضيف بقلق، ويعتقد بأن النقص الأساسي يكمن في الاعتراف بوجود أعداد كبيرة من المنتحرين أو المقدمين على الانتحار، وهو المدخل الأساسي لعلاج الظاهرة وتقديم الاستشارات والدواء اللازم لهم، الأمر الذي أثبت فعاليته في حالات كثيرة.

يقدّم الطبيب أيضاً بعض الحلول ويتحدث عن إجراءات تتبع فعلاً اليوم، ومنها تدريب مئات الأطباء غير الاختصاصيين بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية لاكتشاف الاضطرابات النفسية وتشجيع المصابين بها على مراجعة الأطباء المختصين، وتشجيع بعض طلاب كلية الطب على التخصص بمجال الطب النفسي، والتثقيف المجتمعي بالعلامات الأولى للانتحار كالعبارات التي تدل على اليأس والألم، والإشارات التي تكون بمثابة طلب للمساعدة مثل حالات إيذاء الذات بهدف لفت النظر.

“لا ضير في الاعتراف بإصابة مئات آلاف السوريين باضطرابات نفسية. علينا أن نشجع الجميع على مراجعة الأطباء النفسيين، وألا نحكم على تصرفات الآخرين وننسى احتمال كونهم مصابين باضطراب نفسي ما. نريد التقليل من حالات الانتحار، والوصول بأكبر عدد من المرضى النفسيين لبرّ الأمان والشفاء”، يضيف حسون.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر