نحن.. حياتنا.. مؤسساتنا.. أفكارنا..
“بالة”
فما ستكون ملابسنا غير ذلك؟

زريق: إذا كان الهدف حماية الصناعة المحلية فما الفرق بن استيراد البالة واستيراد الألبسة؟

زيزان: حلب كانت تصنّع ألبسة لثلاث قارات

أبو محمود: أجر المحل في سوق البالة بالشيخ سعد يصل  إلى مليون ليرة

فراس القاضي

سابقاً، كان لكلمة تهريب “هيبتها”، وكان عليك اللحاق بمهرّب السلعة التي تريد شراءها إلى أماكن بعيدة أحياناً، وبعض باعته، كانوا لا يبيعون إلا للأشخاص الذين يثقون بهم، أما اليوم، فإن أقل ما يمكن أن يُقال هو أن التهريب (تشرشح) على أيدي المهربين الجدد، وصارت بضائع التهريب موضع مفاخرة من قبل بائعيها، خلافاً للبضائع المصنعة محلياً أو المستوردة بشكل نظامي.

في العام 2011، صدر قرار بمنع استيراد الألبسة المستعملة (البالة) بحجة دعم الصناعة المحلية والمنتج الوطني، لكن ما تم منع استيراده من الباب، دخل بأضعاف مضاعفة من الشباك، وانتشرت محلات بيع (البالة) المهرّبة بشكل كبير جداً في أسواق صارت شبه مخصصة لها في دمشق. فمثلاً، أحصينا أكثر من 100 محل وبسطة في منطقة المزة (الشيخ سعد) وحدها، أما في منطقة الإطفائية، التي هي أساساً إحدى أشهر أسواق (البالة) في سورية منذ عقود، فحدث ولا حرج، غير عشرات المحلات المتفرقة هنا وهناك في بقية مناطق المدينة.

وتغيّر المفاهيم بعد الحرب السورية، لم يستثنِ (البالة)، فالمصطلح الذي كان يقصد به بيع الألبسة والأحذية المستعملة، تجاوزها إلى ألعاب الأطفال، والإكسسوارات، وحالياً أضيف إليها المناشف والبشاكير في بعض المحلات، وإن اعتبرنا أسواق (التعفيش) أيضاً (بالة)، فإن الظاهرة أصبحت تطال كل شيء، بدءاً من الملابس، مروراً بالمفروشات والكهربائيات، انتهاء بذكريات الناس وألبومات صورها، فصارت الحياة الكاملة لكثير من السوريين: بالة.

حجم إقبال السوريين على شراء (البالة) لا يحتاج إلى استطلاعات رأي وإحصائيات ومقابلات، ويعوض عن كل ذلك معرفة أسعار إيجارات المحلات التي تبيعها، إذ أنها لا تقل في سوق الشيخ سعد عن 600 ألف ليرة شهرياً، وبعضها يصل إلى مليون ليرة، بحسب أبو محمود، أحد العاملين في محلات هذا السوق.

أبو محمود رفض التصريح باسم “المهرّب” الذي يتعامل معه، لكنه أكد أنه معروف جداً، وأنه يسلم بضائعه في وضح النهار دون خوف من شيء أو من أحد، مؤكداً أن المربح الجيد يكون بالألبسة الجديدة تحت مسمى (بالة)، لأنه بإمكان البائع أن يضع لها السعر الذي يريد، بحجة أنها جديدة وماركة عالمية، وخاصة في موسم الشتاء الذي تكون أرباحه مضاعفة عن موسم الصيف، رغم أن سعر المصدر لا يختلف كثيراً بين الشتوي والصيفي، لكن الناس مستعدة للدفع أكثر مقابل جاكيت أو مانطو أو كنزة صوف أو حذاء بساقٍ عالٍ.

أبو محمود يؤكد أن “مرابح” أصحاب محلات البالة بالملايين وليس بمئات الآلاف، لذا يدفعون الإيجار المطلوب دون نقاش في الأسواق المزدحمة بالناس، ويضيف: “أنا عامل عادي في أحد هذه المحلات، وأجري الشهر لا يقل عن 150 ألف ليرة، فكم برأيك يربح صاحب المحل ليعطي أجيراً 150 ألف، ويدفع الإيجار سنوياً بالملايين؟”.

إدمان

حتى المكان شبه الوحيد الذي كان الفقراء أسياده، وضع الميسورون أقدامهم فيه وزاحموهم عليه، لأن المستعمل في هذه المحلات صارت نسبته لا تتجاوز الـ 50%، والباقي ألبسة جديدة (بورقتها)، وبعضها ماركات عالمية، وبأسعار مرتفعة، لكنها بالطبع أقل من أسعارها في وكالاتها الأساسية، لذا، فإن القرار الذي صدر (صباح 12 تموز 2018) والذي يقضي بإغلاق محلات (البالة) ومصادرة البضائع الموجودة فيها وتشديد الرقابة عليها، ألغي (بعد ظهر 12 تموز 2018) ولم يُطل عمره أكثر من ساعات، ليصدر قرار مباشر عن وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك حينئذ، عبد الله الغربي، الذي تنصل من القرار الأول وقال إنه صدر عن معاونه وليس عنه، وذلك بعد ضجة كبيرة واستنكار شديد من السوريين عبروا عنه بقوة وبقسوة على مواقع التواصل، تحت مبرر واحد: الفقراء (حجة الجميع لتمرير كل شيء عبر كل الأزمنة).

ولكن الحقيقة هي أن الجميع من رواد البالة وليس الفقراء فقط، وهذا ما أكده طبيب فضل عدم ذكر اسمه، أوضح أنه ومذ كان طالباً جامعياً، كانت أغلب ملابسه من جديد البالة، وما يزال حتى الآن يتعاطاها بشكل كبير، وقال: “تجد في البالة (لقطات) عظيمة، فمثلاً، اشتريت في الصيف الماضي ثلاثة قمصان ماركة (بيير كردان) بثلاثين ألف ليرة فقط (راتب موظف فئة ثانية)، كذلك اشتريت (مانطو) بـ 25 ألف ليرة (راتب موظفي عقود الخبرة الذين تم فصلهم مؤخراً)، بينما سعره في السوق يصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف المبلغ المذكور. أما الأهم فهي الأحذية، إذ تجد في بعض المحلات المشهورة ببيع الأحذية فقط (بوط) ماركة (كاتربيلار) الأمريكية مثلاً بـ 40 ألف ليرة فقط (راتب موظف فئة أولى)، وهذا سعر رخيص لماركة عالمية مشهود بجودتها”.

وأضاف أن للبالة مشكلة عويصة حسب وصفه، وهي التسبب بالإدمان على شرائها، وبالتالي شراء الكثير مما لا يلزم (طبعاً هذه مشكلة لا علاقة للفقراء بها).

أين دعم المنتج الوطني؟

المراقب لسوق الألبسة في دمشق، يعرف جيداً أن أسعار الألبسة انخفضت بشكل واضح، فمثلاً، في عامي 2015 و2016، كان سعر كنزة الصوف (نوع جيد) يتراوح بين 15 و20 ألف ليرة، أما ذات النوعية والسعر الأقل فهي حصراً من (البالة)، لكن بعد عام 2017، ازدادت الخيارات لدى المواطن، وبأسعار تعتبر مقبولة، والسبب كان ـ بحسب أصحاب محلات ـ عودة ورش حلب للعمل، لكن حتى بعد عودتها، ظل الإقبال على (البالة) أكبر، والسبب الحصول على جودة أفضل بذات الأسعار.

محمد زيزان، رئيس لجنة صناعة الألبسة وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة حلب، قال لـ (الأيام) إن تهريب الألبسة المستعملة يضر بالصناعة الوطنية بشكل كبير، خاصة أن حجة الفقراء والأسعار الرخيصة ما عادت تنطلي على أحد، لأن نسبة كبيرة مما يصل إلى هذه الأسواق تهريباً هو ألبسة جديدة تحت مسمى (بالة)، وهذا يؤدي إلى ضرب المنتج الوطني، أي عكس ما أريد بقرار منع الاستيراد. وأشار زيزان إلى أن قرار إغلاق محلات (البالة) عام 2018 كان قراراً حكيماً، لكنه لم يُنفذ وجرى ما جرى وقتها.

وحمّل زيزان قسماً من المسؤولية للإعلام السوري الذي لا يروج لهذه الصناعات، وللمهرجانات التي تروج للمنتجات الغذائية أكثر من الألبسة، مؤكداً أن في دعم هذا القطاع فائدة كبيرة في دعم الليرة السورية، وضرب رئيس اللجنة مثالاً عن منتج واحد قائلاً: “نحن نصنّع من ضمن ما نصنعه بنطال قياس (محير) سعره 3 دولار، أي أرخص من الصين الشهيرة بالأسعار الرخيصة جداً، فتخيل لو يتم الترويج لهذه الصناعات بشكل جيد، كما أننا نتمنى تخفيض نفقات الشحن، فمن غير المعقول أن تكون تكلفة القطعة 3 دولار كما قلنا، وقيمة شحنها 80 بنس!”.

وذكّر زيزان في نهاية حديثه بأن حلب كانت تصدّر الألبسة لثلاث قارات، وأن الصناعي الحلبي ماهر و(ابن سوق)، ويعمل الآن بأقل الإمكانيات المتوفرة في سبيل ألا يتوقف عن الإنتاج، وضرب نفسه مثالاً، فهو صناعي كان لديه معمل بمساحة 2000 متر مربع، فحولته الحرب إلى صاحب ورشة مساحتها 200 متر مربع.. لكنه لم يتوقف عن العمل.

من المستفيد؟

الباحثة الاقتصادية، د. نسرين زريق، قالت إن لقرار منع استيراد الألبسة المستعملة مساوئ كثيرة على مستوى الإنفاق الشخصي والاستهلاك المحلي والتحكم بالأسعار، فقطعة الألبسة المستعملة في منشئها سعرها دولار واحد، بينما تباع هنا بأكثر من 5 دولار، موضحة أن المستفيد الوحيد من هذا القرار هم من وصفتهم بـ (حيتان البالة) الذين لا يريدون أن تدخل هذه المادة إلى البلد إلا عن طريقهم، ليتحكموا بأسعارها كما يشاؤون بحجة خطورة التهريب ومشاكل الجمارك ولعدم وجود بدائل، أما إن كان ـ كما يدعون ـ لدعم الصناعة الوطنية، فهذا يتطلب أساساً وجود دعم حقيقي للصناعة الوطنية، مثل تيسير أمور التراخيص الصناعية وتقديم قروض صناعية عبر رهن المعمل نفسه، وتقديم تسهيلات لاستقدام آلات حتى لو كانت مستعملة، إضافة إلى تقديم قروض للآليات بضمانة رهن الآليات ذاتها، ووجود تسهيلات للحصول على المحروقات وغيرها من الأمور، لكن عدم وجود كل ما سبق، أدى إلى تراجع أعمال الصناعيين، وصار غالبية صناعيي سورية يعتمدون على ورشات صغيرة، مهما ازدادت طاقتها الإنتاجية، فإنها لن تغطي حاجة السوق المحلية.

وتساءلت د. زريق عن الفرق بين استيراد الألبسة الجاهزة و(البالة) أو السماح بتهريب المادتين طالما الهدف المعلن لعدم استيراد إحداهما هو دعم الصناعة الوطنية؟! مؤكدة أن استيراد الجاهز بحجة عدم تغطية حاجة السوق غير مبرر أبداً، أولاً لأنه يستنزف القطع الأجنبي، ومن الممكن استبداله بمواد لتصنيع الألبسة في سورية التي تمتلك في مجال الصناعات النسيجية خبرات صناعية عالية وخاصة في محافظة حلب، بدءاً من الخيط وانتهاء بالمنتج النهائي، رافضة حجة مكافحة التهريب، لأن مكافحة التهريب ـ برأيها ـ تطبّق على المحلات الصغيرة والمبيعات المتفرقة، أما تجار الجملة الكبار الذين يهرّبون الكميات الكبيرة جداً، فإن (كونتينرات) البضائع تصل إليهم، وينقلونها بالشاحنات الكبيرة ويسلمونها لمن يريد داخل سوق الحميدية ولا أحد يعترضهم، وإن كان تمويل (البالة) يضر بالقطع الأجنبي، فعلى الأقل يجب السماح باستيرادها لتنخفض أسعارها لأن غالبية الناس صاروا من روادها.

وبيّنت د. زريق أن الاعتماد الكبير على (البالة) سببه الغلاء وعدم ضبط الأسعار وانخفاض الدخل، فلا هم يرفعونه ليستطيع المواطن شراء الألبسة الجديدة، ولا يستوردون (البالة) ـ الموجودة في كل الدول صناعية كانت أم غير صناعية ـ بشكل نظامي لتبقى أسعارها أيضاً مرتفعة بحجة أنها تهريب، أما بخصوص نظرية (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق)، فإنها تطبق عندما يكون لدينا صناعة ممتازة بجودة عالية وأسعار منافسة، مضيفة بأن وجود (بالة) نظامية بأسعار محددة سيخفف من العبء ليس على الناس فقط، بل على الحكومة أيضاً من ناحية زيادة الدخل، ووجودها بشكل نظامي يساعد حتى لو كان لدينا صناعة قوية، لأنه سيجبرها على الدخول في المنافسة وتخفيض أسعارها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر