التخرج من الخروج والاندبندت من الاندبنتية

براءة الطرن

منذ دخلت جامعة دمشق وأنا أركض نحو باب الخروج، ونحو التخرج، لم أكن أركض هرباً، ولم يكن الفرع الذي أدرسه سبباً، كنت أحمل حقيبة ثقيلة من المفاهيم الحديثة، تعيق خط سيري الهادئ، والمستقيم، تستعجلني لإتمام سنواتي الأربعة بأربعة أيام، تأجيل الاستمتاع بالمرحلة التي لا تعاد، تأجيل تكوين صداقات، وتأجيل الدراسة أحياناً، المهم أن أصل، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي الحقائب، كنت أبطأ من سلحفاة، تخرجت بعد سبعة أعوام، بظهر محني، ومفاهيم مهترئة، أفرغها واحداً تلو الآخر.

أول المفاهيم “Strong independent woman “، بالعربية “امرأة قوية مستقلة”، أتلعثم عند لفظ “independent” رغم أني أتحدث الإنجليزية بطلاقة، وأكتب في صحيفة أظنها تنافس الإندبندنت البريطانية لو أرادت الكتابة في السياسة، لا أعرف أول من نادى بهذا الشعار الرنان، ولا أعرف كيف انتشر في صفوف الفتيات، والنساء، كما لا أعرف موقفي منه، مع ذلك أسعى على قدم، وساق لأكون امرأة قوية مستقلة، فهذه المفاهيم أكثر صحة من أن تناقش.

أعددت سيرة ذاتية لا تشوبها شائبة، وكتبت تحت بند المهارات أني أعمل تحت الضغط، أعمل لساعات طويلة، ذو (شعبياً ذات) شخصية مرنة، مرحة، جادة، وقيادية، أعمل ضمن فريق، وأعمل دون فريق، وأعمل ضد فريق، متعاونة، أتحمل المسؤولية، لا أتأرجح على الكراسي الدوارة، لا أشرب القهوة، ولا أدخن، كما أتحمل الجوع، لذا أتنازل للشركة عن بريك الغداء، لا أستخدم الهاتف كثيراً لذا لا داعي لتذكيري بلائحة الممنوعات أثناء ساعات الدوام، إلا أن هذا لا يعني أني شخصية منطوية، فعلى العكس تماماً ذكرت أني اجتماعية مرتين، أرسلتها لكل الشركات المتاحة، وغير المتاحة، وانتظرت الرد طويلاً.

ذهبت لعدة مقابلات عمل، ارتديت بدلات رسمية، وحذاء ذو كعب عالي، ليأخذوني على محمل الجد، أنا وسيرتي المتواضعة، لم يرفضني أحد، ولم يقبلني أحد، كل ما هنالك أنهم لم يعاودوا الاتصال بي كما قالوا وهم يصافحون يدي، وأنا أشد لأثبت توازني، آخذ أجرة الطريق من والدي، وأذهب في رحلة البحث عن استقلال لم يجده أحد ممن حولي بعد.

أما عن القوة فكل من عرفني يشتمني، يقول “يا قوية”، وكل من أبدى رأيه في شخصيتي قال أن بي عيباً لا بد من تغييره وهو “القوة” لا سيما حين يعلو صوتي في النقاش، أو أجادل في قضية غير قابلة للجدل، أو حين أتجاوز موقفاً، شخصاً، أو فاجعة بسرعة، فجمال الأنثى في ضعفها اللذيذ، بينما لم يمدح أحد قوتي حين فتحت قطرميز المخلل، أو حملت جرة الغاز، تلك الأمور البدنية لا قيمة لها، وباتت مستهلكة جداً، ماذا يستفيد المجتمع من عضلاتي أصلاً، وأنا لا أستطيع العمل إلا في أدوار حددها لي مسبقاً، ماذا يستفيد وأنا مآلي إلى بيت زوجي، وتربية أطفالي!

 أما عن كوني امرأة، فأنا لا بأس بي حسب معايير الرجال في نظرتهم للنساء، وحسب معايير النساء في نظرتهن لأنفسهن، قد أخطئ في وضع المناكير فيخرج عن الظفر ملوثاً أصابعي، وقد لا أجيد وضع الآيلاينر، كما لا أنجح في استمالة قلب عاشق، لكن لا بأس، ثم إن لفظ امرأة يأخذ منحى آخر في بلدنا، فهو يطلق على المتزوجة حصراً، دون الفتاة البكر.

لم أعش حياتي تلك، ولا أعيش حياتي هذه أيضاً، تخرجت من الجامعة، ركضاً نحو هدف بسيط، غير معقد، تجاهلت المرحلة، وشركاء الرحلة، كي لا أزيد ثقل الحقيبة، ولا أتعرف على صديق، أو مفهوم، أو شعار.

إلا أني لم أصبح امرأة، وقوتي غير صالحة للتفاخر، ولم أستقل، ولن!

“تخرجت لأنستر، سألله أيام الفضيحة”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر