نقد مسرحي متأخر قليلاً

براءة الطرن

لسنا من العائلات الذواقة للفن الرفيع، ولم نكن نتابع آخر أخبار التمثيل، الكتابة، الرسم، والنحت، نتابع ما تعرضه القناة الأرضية، إن كان مسلسلاً تجمهرنا حول الشاشة، وإن كان برنامجاً قلب كل منا وجهه لانعدام خيار قلب المحطة، فوالدي ككثيرين في تلك المرحلة رفض إدخال الستلايت إلى منزلنا، والتزم بما تؤمنه لنا الدولة من مؤن، سواء كان رزاً، سكراً، أو إعلاماً.

لم يكن ارتياد المسارح، السينما، والمعارض نشاطاً أسبوعياً، ولا شهرياً، فعدد أفراد عائلتي يحتاج دفتر تذاكر كامل، كنا بعيدين كل البعد عن الوسط الثقافي، نافذتنا الوحيدة على العالم مكتبة البيت المنسية، والقناة الأرضية.

كان عمري تسعة أعوام حين عرفت تشيخوف، وسعد الله ونوس الاسمين المرتبطين بالمسرح السوري ارتباطاً وثيقاً، اللذين لطالما عاصرنا مؤلفاتهما، حورناها، ومثلناها، وقد يعود ذلك لارتباطنا الوثيق بالاتحاد السوفييتي، والأمل.

ولمعرفتي تلك استطعت الإجابة عن سؤال المذيعة التي صادفتني في السوق بصحبة والدتي، وربحت تذكرتين لحضور مسرحية على خشبة مسرح القباني، كدت أطير فرحاً حينها، لم أنم قبل يوم العرض، كما حضرت ثيابي عدة مرات، وكأن الممثلين على استعداد لمقابلتي أيضاً.

دخلت المسرح أول مرة عام 2004، تجاهلت الروائح المختلطة، بعض الكراسي المتعبة، وكل ما قد يعكر صفو التجربة، كنت أدخل محراباً لطالما حلمت في الذهاب إليه، لم أقل تلك الجملة أمام والدتي التي رافقتني خوف أن تثير حفيظتها، فتحرمني الذهاب مرة أخرى، انبهرت جداً بالستارة، الخشبة، وكل الطقوس المحيطة، كما التهبت أكفي الصغيرة لشدة التصفيق عند الختام.

لم تكن تلك بداية انفتاحنا على الثقافة، ولكني منذ ذلك اليوم وأنا أحلم بدراسة المسرح، تمثيلاً، كتابة، نقداً، أو إخراجاً، لا فرق المهم أن ترتبط كلمة مسرح بي، وأرتبط بالخشبة التي أثارت فضولي، ارتباكي، وسعادتي، إلا أنها كانت المرة الأولى، والأخيرة التي أزور بها المسرح، انشغلت بطفولتي، وحل الوظائف المدرسية.

كبرت أحمل شغفاً عتيقاً، لم أنسه، ولكني في المقابل نسيت اسم المسرحية التي حضرتها، ولأن الحنين ينتقي من الذاكرة أجمل الذكريات كما يقول درويش كنت متأكدة بأن المسرحية على قدر من العظمة، يكفي أن أذكر سنة العرض أمام أحد المهتمين فيخبرني باسمها، وأسماء ممثليها، لكن أحداً لم يفعل.

عاماً بعد آخر كنت أدرك حجم المأساة التي تواجه المسرح السوري، حجم الرداءة، وتدني المستوى، كان الأمر يصيبني بخيبة لا تشفى، لاسيما أنه يمس ما أراه مقدساً، لا يمس!

كنت أبحث عن سبب، وحل، إهمال الموهبة ربما، إهمال المسرح، هجرة العقول، الأزمات المتتالية على المنطقة، لا أعرف.

عاماً بعد الآخر كنت أتقبل الأمر بغصة، وأجيب على سؤال “ماذا ستدرسين” بـ”كنت أرغب في دراسة المسرح لكن المسرح لم يعد كما قبل”، وكما قبل هو تلك الليلة من العام 2004.

الشهر الماضي ذهبت للمسرح، المرة الثانية في حياتي، لم أستطع تجاهل الروائح المختلطة، الكراسي المتعبة، وكل ما يعكر صفو التجربة، كان النص ركيكاً، هزيلاً، لا طعم له، ولا لون، بدا الأمر وكأن أحدهم دنس المحراب.

أشكو ذلك لصديق اكبر مني سناً، أخبره بذاكرتي عن المسرحية السابقة، وحلمي المشوه، فيخبرني بأنه كتب مادة ناقدة في ذلك العام عن مسرحية، لا بد لي من قراءتها علها تكون ذاتها، والمصيبة أنها كانت ذاتها.

ما إن قرأت اسمها حتى تذكرت، استطعت ربط بعض الأمور ببعضها، قرأت رأي صديقي، ورأي أصدقاء صديقي، ورأي كل النقاد الذين أجمعوا على أن المسرحية كانت سقطة في تاريخ المسرح، سقطة يجب أن نعالجها قبل فوات الأوان.

كانت خيبتي أكثر إيلاماً من سابقتها، كان حلمي زائفاً إذاً، وشغفي كذلك، تعرفت على مسرح مشوه، وأحببته!

لطالما كانت مسارحنا طفولية، لا يحبها إلا الأطفال السذج!

لم أبحث عن سبب، ولن أبحث عن حل، فنحن لسنا من العائلات الذواقة للفن الرفيع.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر