نوبل التي بلا تولستوي وبروست وجويس ووولف وكازانتزاكي وبورخيس..
قائمة مجدها قصيرة وقائمة عارها من تجاهلت

سلمان عز الدين

فاز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه بجائزة نوبل للأدب 2019، فيما حصلت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك على الجائزة نفسها، المؤجلة من العام 2018.

وقدمت الأكاديمية السويدية جائزتي أدب هذا العام بعدما تم تأجيل جائزة العام الفائت بسبب فضيحة أثيرت حول زوج إحدى العضوات في اللجنة، حيث وجهت إليه اتهامات بالاغتصاب.

ومنذ العام الماضي عيّن المسؤولون عن اللجنة، التي تحدد أسماء الفائزين بالجوائز، أعضاء جدد، كما أدخلت إصلاحات على قوانينها الداخلية بعد تدخل نادر من قبل ملك السويد شخصياً.

وتبلغ قيمة كل جائزة من جوائز هذا العام تسعة ملايين كرونة سويدية (908 آلاف دولار).

ترحيب بارد.. واستنكار

توقع الكثيرون أن يقع الخيار هذه المرة على اسمين اسثنائيين، يحصدان إجماعاً عالمياً منقطع النظير، على اعتبار أن الأكاديمة السويدية بحاجة ماسة إلى تبييض سمعتها المثلومة بفعل الفضيحة المدوية التي عصفت بأروقتها، وكذلك بفعل الخيارات الأخيرة المثيرة للجدل، والتي وصلت ذروتها مع اختيار بوب ديلان لنيل الجائزة عن العام 2016.

لكن ما حدث هو أن تقبلاً بارداً ساد الأوساط الأدبية العالمية إثر الإعلان عن فوز أولغا توكارتشوك بالجائزة عن العام 2018، فلم تُثر أي اعتراضات جدية ولم ينبرِ أحد إلى التشكيك، ولكن بالمقابل لم يهلل أحد ولم يسد ذلك الإجماع الذي ساد، مثلاً، مع اختيار ماريو فارغاس يوسا العام 2010.. لم يقل أحد إن الأكاديمية قد ارتكبت إثماً جديداً، وكذلك لم يقل أحد إنها حققت خياراً استثنائياً. لسان حال الجميع كان: “أولغا توكارتشوك؟!.. حسناً ولم لا؟”.

أما بيتر هاندكه فقد أثار حصوله على نوبل 2019 موجة كبيرة من الجدل في والغضب بسبب ما قيل عن دعمه للزعيم القومي الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش.

ومنذ دعم هاندكه الصرب خلال حرب يوغسلافيا في التسعينيات، وهو يلاقي هجوماً شديداً حيث أنكر المذابح التي تمت خلال الحرب، ما اعتبره الكثيرون أمراً غير أخلاقي وغير قابل للتبرير، كما أنه كان قريباً جداً من الزعيم الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتسا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، رغم أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ “زلة اللسان”.

ويبدو أن هاندكه نفسه اندهش من الفوز، وقال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار “شجاع جداً من قبل الأكاديمية السويدية”.

والأكاديمية السويدية التي تحاول التعافي واستعادة الثقة بعد عام من التوقف والفضيحة، لم تستطع أن تفعل ذلك بالشكل المطلوب، وقد أعرب الناقد رون شارلز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استياءه من الجائزة قائلًا “هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم.”

صيحة استهجان طويلة

لقد ولدت نوبل للأدب (1901) وسط الاستنكار، فإثر الإعلان عن فوز الشاعر الفرنسي رينيه سولي برودوم بالجائزة، ثارت ردود الفعل المستهجنة، وأعلن أدباء مشهورون، وقتئذ، استنكارهم لهذا الخيار، معتبرين أن الشاعر الفائز ليس هو الأكثر استحقاقاً، لاسيما وأن الترشيحات كانت تشير إلى اسم أكثر لمعاناً، وهو الروائي الروسي الشهير ليون تولستوي. وقد انضم إلى المعترضين نحو أربعين شخصية سويدية، من بينها أوغست سترندبيرغ والفنان التشكيلي أندرسن زورك، وأجمع هؤلاء على أن «الاختيار كان خطأ فادحاً».

وهكذا ففي الوقت الذي دشنت فيه نوبل تكريمها، فقد دشنت كذلك الاعتراض عليها، وهو أمر تكرر كثيراً منذ ذلك العام، وخاصة في السنوات العشرين الأخيرة. بالطبع تفاوت حجم الاعتراض بين عام وآخر، بل أن أعواماً عديدة شهدت اختفاء الانتقادات، أو على الأقل خفوتها. حدث هذا، مثلاً، مع ماريو فارغاس يوسا الذي نال الجائزة في العام 2010، حيث كان هناك شبه إجماع على أحقية الروائي البيروفي، وإذا كان من اعتراض فهو أن الجائزة تأخرت كثيراً في الوصول إليه.

لكن خيار العام 2016 قوبل بعاصفة من الاستهجان والاستنكار، وقيل يومئذ إن الأكاديمية السويدية تفوقت على نفسها في تقديم المفاجآت، إذ اختارت شاعراً غنائياً ومغنياً أميركياً لنيل الجائزة الأدبية الأرفع في العالم.

وإلى يوم واحد قبل إعلان فوز بوب ديلان ورغم تكرار اسمه في قوائم الترشيحات منذ سنوات، فإن أحدا لم يأخذ ترشيحه على محمل الجد، إذ «لا يمكن أن ترقى كلمات أغان، وأياً كانت أهميتها، إلى مستوى المعايير التي تعتمدها الجائزة، كما أنها لا تقارن بالأجناس الأدبية المرسخة: رواية، شعر مسرح.. وبالتالي لا يمكن لكاتب كلمات أغان أن يفوز بالجائزة الأدبية الأرفع فيما يقف في الانتظار طابور طويل من الروائيين والشعراء وكتاب المسرح…». من هذه «المسلمات» انطلق المستخفون بترشيح ديلان، ولكن لجنة نوبل أثبتت للمستخفين أنها لا تأخذ مسلماتهم بالاعتبار.  

في العام 2015، أيضاً، قوبل فوز الكاتبة البيلاروسية سيفتلانا الكسيفيتش بكثير من الاحتجاج. وكان لافتا أن الاعتراض قد جاء، تلك المرة، من جهات العالم الأربعة. فقد احتجت أصوات كثيرة من روسيا على ما وصفته «متابعة الأكاديمية السويدية لتقليد من أيام الحرب الباردة، عندما كانت تلتفت إلى أوربا الشرقية فقط لتمنح الجائزة لمنشقين»، مشيرين إلى جملة وردت في بيان الأكاديمية تقول إن الكسيفيتش استحقت الجائزة لانشغالها «طوال الأربعين عاما الماضية بدراسة الاتحاد السوفييتي قبل وبعد الانهيار.. سواء في كارثة تشيرنوبيل أو الحرب السوفييتية في أفغانستان».

كما اعترض أدباء ونقاد من دول آسيوية وافريقية، مكررين الاتهام للأكاديمية بأنها «تصر على تجاهل دول الجنوب في سياق تأكيدها على مركزية الغرب الثقافية». بعض هؤلاء رأوا أن ثلاثة أدباء أفارقة، على الأقل، كانوا الأكثر استحقاقاً، مستهجنين استبعادهم بعد أن دارات التوقعات والترشيحات حولهم. والأفارقة المقصودون هم: الكيني نغوغي ثيونغ، والصومالي نور الدين فرح، والنيجيري بن أوكري.

ومن أوربا الغربية، أيضاً، خرجت أصوات منتقدة، إذ استغربت المشرفة على صفحة الأدب في جريدة «تسايت» الألمانية، إيريس راديش، منح جائزة نوبل للآداب للصحافية البيلاروسية. وقالت راديش: «جائزة نوبل للآداب يجب أن تمنح للآداب الكبرى، وليس للكتابة الصحافية المتميزة». كما عبر آخرون عن قناعتهم بأن الكاتب الإيرلندي جون بانفيل كان الأحق بالجائزة، فيما رأى نقاد وصحفيون من الولايات المتحدة أن الروائيين الأميركيين فيليب روث وجويس كارول اوتس كانا الأجدر..

من الشرق إلى الجنوب

 طيلة الحرب الباردة، يوم كان العالم مقسوماً أيديولوجياً إلى شرق ـ غرب، كانت جل الاعتراضات على نوبل تأتي من المنظومة الشيوعية، مع اتهام أساسي ثابت مفاده أن الجائزة هي مجرد أداة في الحرب الباردة الثقافية ولذلك فهي لا تمنح إلا لاعتبارات سياسية.

وبعد نهاية الحرب الباردة انتقل ثقل الاحتجاج إلى الجنوب (دول العالم الثالث)، إذ يشير كثير من الآسيويين والأفارقة إلى أن «الجائزة تمنح أساساً لأوربيين، فيما لم يفز بها سوى صيني واحد وهندي واحد وعربي واحد».

وللعالم العربي نصيب الأسد من الاعتراض، والذي يندرج هنا في عنوانين رئيسين، الأول هو «تجاهل الجائزة للأدب العربي ورموزه، بدءاً من أحمد شوقي وجبران خليل جبران، مروراً بتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، وصولاً إلى أدونيس ومحمود درويش..».

أما الثاني فهو ما يتصل بالحديث عن «علاقة ما تربط الجائزة بدوائر يهودية صهيونية»، ويدلل أصحاب هذا الرأي على ذلك بأن الجائزة منحت لأدباء «لا لشيء سوى كونهم يهوداً أو متعاطفين مع إسرائيل».

وكانت المناسبة الأبرز للاحتجاج العربي والإسلامي هي منح نوبل 2001 للكاتب الترنيدادي ف . س. نايبول، الذي عرف عنه مواقف غير ودية اتجاه المسلمين وعبارات وصف بها الثقافة الإسلامية بالتعصب.

والغريب أن منح الجائزة لنجيب محفوظ لم يسكت الأصوات العربية المحتجة، فرغم الفرحة العارمة التي عمت الأوساط الشعبية والثقافية العربية، إلا أن البعض أصر على أن محفوظ مُنح نوبل لاعتبارات سياسية (موقفه من اتفاق السلام مع إسرائيل)، فيما قال آخرون إن تكريم الروائي المصري جاء لسبب وحيد هو رواية أولاد حارتنا.!

بعيداً عن العالم العربي، وعن الاعتبارات الأيديولوجية والجغرافية، يبقى لافتاً تجنب الجائزة لأسماء أدبية كبيرة، أكثرها في أوربا نفسها، فإلى جانب تولستوي، هناك الفرنسي مارسيل بروست، والإيرلندي جيمس جويس، والإنجليزية فيرجينا وولف، واليوناني كازانتزاكي، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس..

من جهة أخرى ففي سجل نوبل مواقف محرجة لا تنسى: رفضُ الفيلسوف والأديب الفرنسي الشهير جان بول سارتر للجائزة سنة 1964 قائلاً: «أرفض صكوك الغفران الجديدة التي تمنحها جائزة نوبل». وكذلك رفض الروائي السوفييتي باسترناك لها سنة 1958. فيما صارت عبارة جورج برناردشو، الذي منح الجائزة سنة 1925، خالدة: «نوبل أشبه بطوق نجاة يعطى للمرء بعد أن يكون قد وصل بر الأمان».

مقابل كل ذلك، تفاخر الأكاديمية السويدية بالقافلة الطويلة من الأسماء الكبيرة التي حازت نوبل: كيبلنغ، طاغور، أناتول فرانس، توماس مان، هرمان هسه، اندريه جيد، اليوت، وليم فوكنر، راسل، همنغواي، ماركيز…

كما يرد المنافحون عن الأكاديمية وجائزتها، بأن نوبل منحت، في ذروة الحرب الباردة، لماركيز المعروف بتعاطفه مع القائد الشيوعي كاسترو. كما منحت لخوسيه ساراماغو المتعاطف مع القضية الفلسطينية والمنتقد الشرس لسياسات إسرائيل، وبالمقابل فإن الجائزة لم تمنح لبورخيس المعجب بالثقافة اليهودية و«المتفهم» لدولة إسرائيل..

وراء كل هذا ثمة حقيقة مؤكدة: الكاتب الذي يرن هاتفه ليبلغ بفوره بجائزة نوبل هو الأكثر حظاً وسعادة بين كتاب العالم.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر