” بدو”.. وما بدينا !

علي حسون

أول علاقة لي مع جارنا الجنوبي كانت عن طريق الهوائي على سطح منزل أخي في حي التضامن، حين كنا نتعاون على توجيهه لالتقاط بث التلفزيون الأردني في أواخر الثمانينات، لمتابعة مسلسل (أبو عواد) الذي لعب بطولته الفنان الراحل نبيل المشيني.

في تلك الأيام التي كان السوريون خلالها مجبرين على متابعة قناتيهم الرسميتين اللتين تبثان لساعات محدودة، كانت محطة الإرسال اللبنانية (إل بي سي) بمثابة النعمة لأهالي الساحل الذين تعرفوا على نوع جديد من الإعلام والعروض التلفزيونية لم يألفوه سابقاً، فيما كان أهل دمشق والجنوب أقل حظاً من مواطنيهم في الشمال الغربي، عبر مشاهدتهم التلفزيون الأردني الذي كان “التنويعة” الوحيدة لمن ملّوا الوجبة “البايتة” نفسها من الإيديولوجيا بعد أن اقتاتوا عليها لأكثر من ربع قرن، وكان قوامها “باقة” من البرامج “الهادفة” تربّى عليها معظم السوريين ورافقتهم حتى الألفية الجديدة: “أرضنا الخضراء” و”بناة الأجيال” و”الأيدي الماهرة”وغيرها !

كان التلفزيون الأردني متنفساً لجماهير الجنوب السوري، وكان مسلسل “حارة أبو عواد” محط أنظار الجميع، المسلسل الذي حقق نجاحاً كبيراً، عرّف السوريين أيضاً على طبيعة الحياة الاجتماعية للجار الجنوبي الذي كان مجهولاً لمعظم السوريين بسبب الافتراق السياسي والإيديولوجي بين السلطتين اللدودتين رغم القرب الجغرافي وصلات القربى بين الشعبين.

في المرة الثانية التي عرفتُ فيها الأردن أكثر، كانت في نهاية التسعينيات، خلال مشاركتي كمندوب لدار نشر سورية في معرض عمان للكتاب، حيث كنت مصرّاً على الاحتفاظ بانطباعاتي عنه، والمستمدة من النظرة السورية “المتعالية” حينها للبلد الشقيق، والتي تشبه إلى حدٍّ بعيد النظرة الشوفينية اللبنانية تجاه السوريين، ولكن بعيار أقل!

في الواقع، أذكر أنني عددتُ الساعات والدقائق تلهفاً لانتهاء المعرض، الذي تزامن مع حمّى أصابتني في اليوم الثالث بعد الافتتاح، ألزمتني فراشي ليومين وتمنيت لو استمرت حتى نهاية المعرض؛ لعلّي أنام فأستيقظ في دمشق، حيث اعتبرتُ مشاركتنا فيه قراراً غبياً من صاحب الدار، متمسكاً بقناعة رسّختها وجدّدتها تلقائياً ومفادها “هذا شعب لا يقرأ” !

هذه النظرة المسبقة والجاهزة، سرعان ما تبدلت مع زياراتي المتكررة إلى عمان والتي فتحت عيني وعقلي على بلد وشعب يتقدمان، على الأقل في القطاع الذي عاينته عن قرب؛ الصحافة.

في كل زيارة إلى عمان كنت ألحظ التطور الذي يحققه الجار الجنوبي، رغم الموارد الشحيحة التي جعلت منه بلداً مديوناً يعتمد في اقتصاده على المساعدات الخليجية والأجنبية.

لكن ما يُحسب فعلاً كإنجاز يبدو من وجهة نظري “علامة فارقة” هو العمل على الموارد البشرية، والذي أنتج شعباً يلتزم بالقوانين؛ فمن غير الممكن أن تجد في عمان مثلاً شرطيٌ يرتشي في الشوارع، كما أنك لن تصادف سائق تكسي فهلوي “يخورف” الزبون، وحتى لو كان الراكب أجنبياً فلن يحدث أن يطلب فلساً زائداً على التعرفة!

على الحدود بين سوريا والأردن، وفيما يتفنن عناصر الجمارك ومعظم العاملين بالحدود في جزئها الشمالي ب”تشليح” المسافرين وخاصةً السائقين، فيفرضون الإتاوات، ويقبضون الرشاوي دون خجل، يتعامل الطرف الجنوبي من الحدود بكل مهنية واحترام.

 على الرغم من ذلك، يشكو الأردنيون من الفساد كما غيرهم من الشعوب العربية، إنه فساد الطبقة السياسية الحاكمة، لكن هذا الفساد لم يتم تعميمه ليصيب كل المجتمع ويتحول إلى أسلوب حياة كما في البلدان الشقيقة الثلاث المجاورة (سوريا ولبنان والعراق).

أخجل اليوم من نظرتي المسبقة لهذا الشعب الذي طالما وصمه السوريون ب”البدو”.. !

أحد السائقين السوريين العاملين على خط عمان – دمشق اختصر واقع الحال اليوم بجملة واحدة فقط: صحيح.. “هني بدو.. بس نحنا ما بَدينا”!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر