أحلام الفتى الكبير

براءة الطرن

لا أعرف إن كانت “حساسية الربيع” مصطلحاً طبياً، اسم مرض، أو آلية يدافع بها الجسم عن نفسه أمام التغيير الحاصل عند تبدل الفصول، هكذا يسمي والدي الحالة التي لطالما انتابته، والتي تظهر أعراضها على شكل سعال خفيف، عطسات متتالية، وفقدان حاسة الشم، هكذا سماها أيضاً حين زيفت السعال الخفيف، العطسات المتتالية، وفقدان حاسة الشم لأتغيب عن المدرسة، لم يكن الأمر كذلك، كان التغيب عن المدرسة أكثر سهولة من تقمص شخصية والدي حتى في مواطن ضعفها.

والدي الرجل الأهم على الإطلاق، رجل ذو أجنحة أحسن قياس المسافة بين الاقتراب والغياب، يزورنا ثلاث مرات في الأسبوع، بينما يقضي ما تبقى في عمل ذو طبيعة صارمة لا تتناسب وطبيعته المرحة، الطبيعة التي دفعتني أولاً لتقليده، تكريس الوقت المخصص لمتابعة شؤوننا العائلية في ملاحقته، التركيز في تصرفاته، تمحيصها، وتدقيقها، لا بد من أن تكون لكل حركة من حركاته أسرار ومعانٍ، لاسيما حين يغلي القهوة فينقر بالملعقة على طرف الركوة نقرتين، لا واحدة، ولا ثلاث، حين يمسك القلم ليكتب فضله الأول في امتلاكي هذه الموهبة، حين يختار فيلماً فرنسياً للسهرة، أو حين يشغل أغنية “فات المعاد” لأم كلثوم، “فات المعاد” حصراً.

بعد عدة أعوام من محاولاتي تلك أوقفني حادث أليم أصاب والدي، المرة الأولى على الإطلاق التي يمرض فيها الرجل الأهم على الإطلاق مرضاً حقيقياً غير حساسية الربيع، اختصر كل المسافات التي أحسن قياسها، وبات حضوره بيننا يومياً، كان هذا الحضور أول مواجهة لي مع الحقيقة، ومع رجل أكبر من نقرة ملعقة على ركوة، قلم، فيلم، وأغنية، رجل عاطفي، حالم، ومفعم بالأمل.

قال لي “الحالمون أبناء الحالمين”، لم أكن أفهم كيف يحلم الكبار، أليس من المفترض أن الناضج هو من يحقق أحلامه، بينما يعلق الحالمون في أجساد أطفال لا يكبرون لأنهم غير قادرون على تحقيق حلم، أليس من المفترض أن تتحقق كل الأحلام قبل الثلاثين من العمر لنحتفل بعدها في ثلاثين أخرى!

بدأ يحدثني عن حياة حقيقية، وأخريات ورديات، عن الحب، الفرح، باريس، داليدا، البؤساء، محمود درويش، حلب، المعري، روما، القلاع الكبيرة، النواب، التناوب، العزلة، رياض الصالح الحسين، دورته الدموية، الحنين، الذاكرة، ما ينتقى منها، وما يستحق الحياة.

كان حالماً ذو أجنحة متكسّرة، يدفعني عن تقليد تصرفاته حيناً، وينهاني أحياناً، يكرس وقته لتعارفنا دون أن يذكر الأمر وضوحاً، شيء في كلماته يخبرني أني قضيت سبعة عشر عاماً من عمري أقلد صورة رسمتها وحدي، دون أن يشاركني فيها أحد، قد تشابه الواقع، وقد تبدو محض خيال.

بعد نجاة والدي من الموت كنت أنا من ولدت مرة ثانية، ولدت وأنا ابنة سبعة عشر عاماً، أملك حياة سابقة جربت فيها، وصححت أيضاً، مخالفة بذلك فكرة العود الأبدي، نيتشه، وكونديرا بتصرف، وذاكرة جيدة عن أحلام الأهالي التي لا يعلم الأبناء بوجودها أصلاً، رغباتهم المقتولة، والضائعة.

عام 2011 قررت سن عيد في اليوم الذي يتغير فيه التوقيت من شتوي إلى صيفي، أو العكس، الوقت الذي تصيبنا فيه حساسية إزاء تبدل الطقس، واليوم الذي نقدّر فيه الخطأ في الساعة، ونتائجه الكارثية، المصيبة أن البلد حينها كانت تسن الأعياد، والأعراس غير آبهة بي، ولا بفزلكاتي، لم تدعوني أيضاً، ولم أستطع أن أرسل مقترحاتي لأي صحيفة من الصحف الثلاث كي لا ينعتني أحدهم بالمجنونة، أو المنفصلة عن الواقع، كان حدثاً جللاً يطغى!

اليوم بعد أن اقترب الحدث الجلل على الانتهاء، أو انتهى حقاً دون أن أعلم، وفي حين أصبح عندي منبر، قررت إعادة النظر في الإعلان عن الأمر، لا سيما أنه يتزامن مع ذكرى حرب تشرين التحريرية، بالتالي أستغل العطلة الرسمية، وعيد ميلاد والدي، بالتالي أقدم له هذا النص كهدية، واقتراب تغيير التوقيت، هدفي الأول:

+++ عيد الأحلام الكبيرة.

للاحتفال بأحلام الكبار المنسية التي نتوارثها كما الحزن، والحنين.

للفصل ما بين شعورنا تجاه آبائنا، وحقيقة آبائنا.

ولنحقق أحلامنا، أو نعلق في أجساد الأطفال إلى الأبد.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر