نصف عائلة على قيد الحياة

براءة الطرن

بعد تسع سنوات أصبح الطريق إلى بيت جدي في حلب سالكاً من كل الاتجاهات، كان علينا إذاً كعائلة تشتت شملها شمالاً، شرقاً، وبحراً أن نعود إلى ما تبقى من البيت، سواء أكان ما تبقى سقفاً، جداراً، أو اثنين، سواء كنا ورثة، أم مالكين، لا سيما أننا انقطعنا عن البيت وعن بعضنا وبات لكل واحد منا حياة لا تمت لحياة الآخر بصلة، لذا ولتخفيف وطأة الحزن المخيمة على عودتنا قررنا اعتبار الزيارة سياحة، واجتماعنا احتفالاً ببقاء أكثر من نصف العائلة على قيد الحياة.

لي خالات بعدد سنوات الغياب، لكل واحدة منهن عدة أبناء، وبنات تكبرني بعضهن بعقدين، ويصغرني بعضهم بعقد، ولي خالان، وابن خال، هذا كان آخر إحصاء أجريته على أفراد عائلتي من طرف والدتي، ما إن دخلنا البيت حتى عرفت أن دراساتي بحاجة إلى تحديث، كل صبية من العائلة تحمل رضيعاً على يدها، وتجر بالأخرى طفلاً، أو أكثر، وكل صبي في العائلة أيضاً يحمل رضيعاً على يده، ويجر بالأخرى زوجة، أو أكثر!

جلسنا على المائدة، أصوات الأطفال تعلو على أصوات الملاعق وأصواتنا، كان الأمر طبيعياً، لا غرابة فيه سوى نفيي إلى طرف المائدة دون توجيه الحديث لي، حتى الأطفال بدوا مشتركين في اللعبة، فلم يقتربوا مني ولم يمارسوا حيلهم علي، لم أكن غير مرحب بي، كنت غير مرئية على الإطلاق، تكرر ذلك عند احتساء الشاي.

عمري أربع وعشرون، متخرجة من كلية الحقوق، لم أقع في الحب، لم أتزوج، ولم أنجب بعد، قاطعة للأرحام منذ عدة أعوام، لأسباب لا يد لي فيها، أعيش حياة هادئة حد الرتابة، وحد الملل.

فكرت بتلك الخطوط العريضة وأنا أبحث عن تهمة تسمح لهم بازدرائي، وتفاديَ، لم يكن في سيرتي الذاتية جرم واضح، لا سيما أني أعرف الجرائم، والعقوبات.

قطعوا سلسلة أفكاري بتسليمي مهمة الجلي، أسعدني ذلك على غير عادة، كان اعترافاً صريحاً بوجودي، تسللت زوجة ابن خالي إلى المطبخ، كسرت الصمت، وقالت: لقد نشرت في يوم كذا منشوراً على فيسبوك عن معارضتك للزواج، والإنجاب وعزوفك عن كليهما، لقد أهان ذلك شعور أفراد العائلة، عاداتهم، وتقاليدهم ناهيك عن أنك تخالفين سنة الحياة الدنيا، وزينتها، “بدنا نفرح فيكِ، بولادك”!

رمت جملتها وخرجت، أصابني الذهول حينها، ثم الذهول من ذهولي، كان منشوري حقيقة لا لبس فيها، فكرة عبرت عنها حين سألني فيسبوك “فيم تفكر”، لطالما كنت ضد مؤسسة الزواج، لم ألعب في طفولتي تلك اللعبة حيث تتزوج الطفلة ابن الجيران، وتنجب منه دميتها الشقراء، استهجنت المهر، والأعراس، وعشت علاقاتي العاطفية على أنها تحمل تاريخ انتهاء صلاحية، لم أفهم أبدية العيش تحت سقف واحد مع شخص واحد، ولا أعرف التعامل مع الأطفال، فأنا لا أستطيع تحمل مسؤولية “أصيص زريعة”، لطالما اقتنيت الصبار لأنها نبتة لن تموت دوني، ولأني أنسى سقايتها أصلاً، حتى حين ربيت عصفوراً أخرجته من القفص لتحريره، هرب مني ومات تحت الكنبة!

أخاف أن أنقل في جيناتي الخوف، والذاكرة القوية، كما أخاف أن أفشل في رمي كلمة بغير محلها فتشكل عقدة لا أستطيع حلها.

ثم أني لا أؤمن بالأمومة كواجب، وإنما اختيار على الأنثى أن تكون واعية له قبل كل شيء، أن تفهم ما تمليه عليها غريزتها، ما تمنحها إياه، وما تسلبه، أعرف عشرات الأمهات النادمات، وعشرات الأمهات الفاشلات.

إنها العائلة إذاً، لبنة المجتمع الأولى، المجتمع الذي أعيش فيه، القادرعلى نبذي، وتجاهلي في حال خالفت عادة من عاداته، أو خدشت شعوراً، لا بد إذاً من إثبات نفسي، ومواقفي، حضرت حجج الدفاع في رأسي، رفعت كمي لإبراز عضلاتي غير آبهة بالصحون، دخلت ثائرة، وقفت وسط الغرفة وقلت بصوت عالي: أنا لا أرغب في الزواج، ولا في الإنجاب، ورشقت بعدها عدة جمل عن دراسات سيكولوجية، وعلمية، وإحصائيات تدعم وجهة نظري، وتؤيد موقفي، لقد كانت مرافعة في محكمة حقيقية، أرفق فيها المصادر، والوثائق، مؤمنة بقدرتي على تغيير ردات فعل العائلة أولاً، والمجتمع ثانياً، قبل أن أنهي ما بدأت رفعوا رؤوسهم عن ورق اللعب، نظروا لي نظرة عابرة، ببرود قال أحدهم بلهجة حلبية صحيحة: “تعمليلنا قهوة؟”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر