دمشق في خمارة جبرا..

ناريمان عامر

في رواية العمى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، يصاب أهل المدينة بالعمى مما يخلق موجة من الذعر والفوضى، فوضى تطال كل شيء كما طال العمى كل الناس، يتعرى البشر من كل ما راكمته الحضارة وصولاً لأخلاقهم. كذلك هي الحرب في سوريا، بدأت تعري كل شيء من الثقافة والفكر والمنظومات الأخلاقية وصولاً لطرائق الناس في تلبية احتياجاتهم التي تبقيهم على قيد الحياة، في فوضى الحواس هذي هناك من اختار الهجرة، وهناك من اختار مواجهة الظروف بإرادة صلبة. هناك من شارك بالحرب، هناك من مات وهناك من ينتظر. وبما يخص المشهد الثقافي بعيداً عن الأدبيات السياسية، يكاد يكون من البطر مساءلة الثقافة السورية ونتاجاها، لكن حين التدقيق نجد أن هناك شذرات ثقافية أنتجت وتنتج في أتون الحرب الطاحنة، ربما تكون موقفاً يعنى بتثبيت ذاكرة عن بلد لم يعد كما هو، وربما تكون موهبة أطلقتها النزاعات، ربما هي محاولة لملء الوقت المسفوح، وقد تكون رغبة للخلود بالتماهي مع الخوف من الموت البلد المعاش، ربما هي شيء أخر غير ما ذكر.

نبيل الملحم الروائي الذي بدأ بوحه متأخراً، يعجل الخطى في إصدار أعمال روائية. هو السوري الذي ما برح يحزم أمتعته هارباً من بلد يشتعل، حتى يعود إليها يجر حنينه، فلربما هناك معنى ما يحتضنه هذا الخراب. لا يشبه بطل روايته خمارة جبرا ” منشورات المتوسط 2016″ إلا بذاك التداعي لزمنٍ انقضى ولم يمضِ.

يحاول نبيل الملحم أن يقبض على ملامح دمشق ويثبتها قبل أن يمحوها البارود، لن يكون فيما نقول مكان للنقد الأدبي لتلك الرواية، بل إضاءة على ما كان لافتاً في هذا العمل. ذلك أن هذا العمل يحتض سمة مميزة ربما تنقرض دون أن توثق وهي ملامح خاصة للشخصيات السورية، تلك الملامح المموهة والمخفية والتي تحمل غنى المجتمع الريفي وطقوسه المتفردة، الرحلة إلى المدينة، هجرة يهود دمشق، حاناتها وغانياتها، هزائم الايديولوجيات المتنوعة على أجساد النساء، المانوية الأخلاقية المتجسدة في كل شخصية، نقلات المجتمع الحديث معبر عنها في نقلات بيوت الهوى. ملامسة تاريخ دمشق المعاصر حين انتقال خمارة جبرا إلى مقهى في باب توما.

المكان دمشق، والزمان سبعون عاماً انقضت وانتهت في مشفى دمشقي حكومي بين أجساد المصابين والقتلى والعجزة، الحدث الرئيسي انسياب ذاكرة تريد التجسد، تأبى العدم ذاكرة الكاتب وبطله، لكن للبطل حياة غير وصفية، حياة خاصة من لحظة الولادة التي أودت بحياة أمه حتى لحظة مماته، أهم ما يميزه أنه لم يكن هو نفسه في أي لحظة من لحظات تلك الحياة، رأى الحب غير ما يروى عنه أو يكتب، فقد أحب فتاة علمته القراءة والكتابة التي أبدع فيهما دون أن يحبهما وهاجرت تلك الفتاة تاركة خلفها البطل معلقاً بشرفتها، عشق العاهرة “فرنسا” وهي التي أطلقت هذا الاسم على نفسها نتيجة حبها لضابط فرنسي رحل عند الجلاء الفرنسي عن سوريا، وبقيت مخلصة لهذا الحب عبر إذلال القوميين والماركسيين في بيت الدعارة الخاص بها، وأخيراً حب جبرا لزمردة أم بطل الرواية بالتبني، الحب الذي لم تكتب له الحياة إلا حين ألم مرض الموت بزمردة.

قلق البطل المرتبط بالمناخ المضطرب في حياته، يجعل خطوط الروي بمجملها خطوطا غير اعتيادية، لكن وبالرغم من مفارقتها للمعايير الاجتماعية السورية وللمنظومة الاخلاقية المتعارف عليها، وبالرغم من أن الشخصيات غير اعتيادية، إلا أن شعوراً بالألفة يرافق قارئ هذا العمل، فكما أن لدمشق دينها الخاص وعمارتها الخاصة وموسيقاها الخاصة كذلك لها لحنٌ نشاز خاص بها.

خمارة جبرا، التقاطٌ لذاك اللحن الدمشقي الناشز الذي بات خافتاً لدرجة الإمحاء، هو إضاءة على إحدى حارات دمشق القابعة في المثلث المحدد بالجامع الأموي وباب توما وساحة المرجة. هناك حيث تجد المساجد والكنائس وزوايا التصوف والحانات والمقاهي الأسواق والمكتبات، التنسك والحب والعربدة. لكن الكاتب ركز على الظلال: بطلٌ هو ظل انسان، عاهرةٌ هي ظل امرأة، أمٌ هي ظل أم، ظلال المثقفين والسياسيين والموسيقيين التي لا تظهرها إلا شموع ليلٍ في بيت هوى، الظلال الحقيقية لأجساد رواد الحانات. ليبدو بين سطور الرواية تاريخ دمشق الغني بثورة الاستقلال والانقلابات العسكرية صعود القومية ونضالات اليسار وحتى الحكم العسكري وصولاً إلى الحرب وكأنه ظلّ حقيقةٍ تجنبها الروي، عالم حدوده جسد كل شخصية على حدة، الاجتماع والسياسية والسلطة مفردات على لسان شخصيات الرواية تعني إشارة مرور لسيالة الحياة لا أكثر.

النظر من القاع، وإليه، بعمق المتأمل هو الحاكم لسير الرواية، مفارقة الاعتيادي بالسرد والشخصيات والمنظور. مباغتة الباحث عن توثيق أو تأريخ، دعوة لقراءة استثنائية. 

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر