لا تتابعوا مسيركم.. لا “بقعة ضوء” في آخر النفق

فاطمة عمراني

أصناف متنوعة تفترش طاولة الطعام، أطباق الفتوش والحساء والمقبلات تتناغم مع الوجبة الرئيسية للإفطار، والتي لا تخلو عادةً من طبق التمر أو الرطب، “طرطقة” الصحون والملاعق تبدو جلية ما إن يخبو صوت آذان المغرب.

تدريجياً، تخفت أصوات الحضور ما إن تبدأ ديمة أورشو بالغناء: “يا ناس خلوني بحالي وحدي ومرتاح بالي في هيك وفي هيك يا با هيك بيحلالي”. صغار وكبار، على حد سواء، تتعلق عيونهم بشاشة التلفاز، مع ابتسامة غالباً ما تسبق لوحات المسلسل!.

مشهد تقليدي رمضاني كان شائعاً على امتداد الجغرافيا السورية منذ عام 2001، والذي أُنتج فيه المسلسل الكوميدي “بقعة ضوء”، فخطف قلوب الجماهير قبل أبصارهم.

استمر “بقعة ضوء” في تقديم رؤاه الاجتماعية الناقدة بأسلوب ساخر ذكي، عبر قصص درامية كوميدية متنوعة عن الحياة العامة، مستنداً إلى رصيد غني من القاعدة الجماهيرية التي كوّنها، كما أن تميز الحلقات بموضوعات مستقلة، شجع المتلقي على متابعة المسلسل من دون الحرص على متابعة الحلقات بتسلسل مستمر.

الدور الاجتماعي الفاعل الذي لعبه المسلسل وساعده في الوصول إلى شرائح واسعة، هو أهم أساسات نجاح هذا النوع في الوصول إلى المتلقي على امتداد الوطن العربي في العقد الأول من القرن العشرين، رغم انعدام أدوات الوصول الحديثة الممثلة ووسائل التواصل الاجتماعي حينها، وهو الأساس الذي ترتكز عليه الدراما اليوم في التسويق والوصول.

“الكازانوفا” أيمن رضا يتلصص على نساء القبيلة بجانب النبع راغباً في الزواج من فتاة جميلة أخرى فتمنعه خاناته الأربعة الممتلئة في دفتر العائلة من ذلك، يتنهد: “ما بو خانة يا حمدان”.

 “الشحاذ” باسم ياخور يهيم في الشوارع بحثاً عن بقايا طعام في القمامة، يدخل بالخطأ لحفل تنكري وينال جائزة أفضل تنكر، يرميها في الحاوية، يلتقط بقايا خبز ويتابع مسيره.

أمل عرفة ومها المصري تجوبان منازل الأغنياء وتشبعان جوعهما من موائدهم بحجة أنهما “خطابة” لأخيهما الوهمي والذي يكون طبيباً مرة، ومهندساً مرة، وقاضياً مرة أخرى.

“في بيتنا دجاجة” مناسبة فريدة احتفت بها آمال سعد الدين مستثمرة كل قطعة من الدجاجة اليتيمة، التي حصل عليها الزوج قاسم ملحو، في إعداد عدد من وجبات الطعام، بعد أن قامت بتقسيمها الى عدة قطع، وصولاً إلى تجفيف عظام الدجاجة وطحنها وذرها فوق الرز.

نسرين طافش “الخوجا” الحلبية، أمل عرفة ربة المنزل الشامية، تخوضان “خناقة مطبخية” عن أصول الطبخ الحلبي والشامي.

سلمى المصري، محمد خير الجراح، عبد المنعم عمايري، حكام على طاولة تحكيم برنامج “ستار العرب”.. لوحات حفرت في ذاكرة السوريين، ووجدانهم، حتى باتت جزءاً لا يتجزأ من تاريخهم وذاكرتهم، حيث اعتمد “بقعة ضوء” في أجزائه الأولى (من الجزء الأول في 2001 إلى السابع في 2010) على محاكاة الواقع المعاش واستظهار أسئلته وطرحها بقوالب الكوميديا السوداء، فخرجت الكوميديا من روح المآسي الاجتماعية التي حفلت بالمجتمع السوري آنذاك، ونطقت بلسان الفرد.

لكن مع حلول العام 2011، واندلاع الحرب في البلاد، ابتعدت الأجزاء الجديدة أكثر وأكثر عن الواقع السوري المرير، وحكمت الكوميديا بالظرف الإنتاجي أكثر من كونها تسعى للسخرية من واقع مزرٍ، واكتفت بمعالجات سطحية وأفكار مكررة، حتى تجاوزتها أحداث الواقع، وبدا العمل بأجزائه الأخيرة، مجرد منشورات وتعليقات مستهلكة ومنقولة عن وسائل التواصل الاجتماعي مقيدة برقابة عالية من جهة، وبمتلقٍ ارتقت متطلباته الثقافية مع اجتياح السوشال ميديا لحياته من جهة أخرى.

هنا صرنا أمام لوحات تسببت بخيبة أمل كبيرة، لم تقتصر على المشاهدين والنقاد، بل طالت واحداً من المؤسسين لمشروع “بقعة ضوء”، الممثل أيمن رضا، الذي أعرب عن أسفه للجمهور، مبرراً سبب تراجع الدراما إجمالاً بالحرب، بالإضافة لغياب النصوص الجيّدة، و”الفهم الخاطئ” لمشروع “بقعة ضوء”: كاتب وممثل، ما زاد تدني سوّية المسلسل في أجزائه الأخيرة.

 الجزء الأخير (الرابع عشر)، الذي أنتج في 2019، وعرض على قنوات “سورية ​دراما​، سما، المنار، الفلسطينية” خلال شهر رمضان، فقد معظم مشاهديه وبات وكأنه يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، بالرغم من مشاركة نجوم الأجزاء الأولى كأيمن رضا​، عبد المنعم عمايري، ديمة قندلفت، فايز قزق، صفاء سلطان، أحمد الأحمد ومحمد حداقي.

“لاصق وطني، لاجئ معزز مكرم، زيارة سجين، عملية تفجير..” وغيرها من لوحات الجزء الأخير افتقدت الكوميديا العفوية التلقائية التي عرف بها المسلسل، فغرقت في ثرثرة زائدة، مع غياب حالة التصعيد الدرامي وافتقار العمل إلى ما يميّزه عادة، واعتماده على التهريج المصطنع المنفر، بالإضافة للإخراج الرديء الناتج عن توالي عدد من المخرجين كان آخرهم من أجاد إعلان “انطفاء” بقعة ضوء تماماً.

المشهد الرمضاني ذاته يتكرر: أصناف الطعام على الطاولة، أطباق الفتوش والحساء والمقبلات، صحن التمر، طرطقة الصحون والملاعق، آذان المغرب، تدريجياً، تخفت أصوات الحضور، يمسك كل منهم هاتفه المحمول، ويغرق في عالمه الافتراضي.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر