رجلان يحبان الحديث عن كل شيء

في العام 2008، التقى ج. إم. كويتزي وبول أوستر في مهرجان أدبي في أستراليا. ولسبب ما، أو بلا أي سبب، سرعان ما نشأت صداقة مرحة بين الكاتبين الشهيرين. كان كل منهما قارئاً مثابراً لأعمال الآخر، وكذلك فقد كان الاثنان ممن يمتلكون فضولاً شديداً إزاء العالم. وهكذا تحصلت لديهما مادة هائلة للحديث، لم يتسع لها ذلك اللقاء العابر، فقررا استئناف الكلام عبر الرسائل.

ما إن وصل أوستر إلى شقته في نيويورك حتى وصلته رسالة من أستراليا، من صديقه الجديد كويتزي، وفيها اقتراح بتبادل الرسائل بانتظام، ليناقشا أشياء محددة، بالأحرى: ليناقشا كل شيء. وافق أوستر على الفور، ليباشر الاثنان طقساً من زمن آخر، ورسالة تلو رسالة ورد تلو رد، صار لديهما كتاباً جاهزاً للنشر: “هنا والآن”.

ولأن البريد العادي صار فولكلوراً مكلفاً ومتكلفاً، ولأن الكاتبين لم يكونا قد انخرطا في شؤون التكنولوجيا، فقد اجترحا حلاً وسطاً: التراسل عبر الفاكس.. وفي المرات القليلة التي اضطرا فيها إلى استخدام البريد الالكتروني، فقد كانت زوجتاهما تتوليان الاستلام والإرسال.

ولد جون ماكسويل كويتزي عام 1940 في كيب تاون بجنوب أفريقيا، ونشأ في بيت يتحدث الإنكليزية رغم أصوله الهولندية، وبدأ حياته الروائية سنة 1974، وهو أول كاتب يفوز بجائزة بوكر الأدبية البريطانية المرموقة مرتين، كما أنه ثاني كاتب جنوب أفريقي يفوز بجائزة نوبل للآداب (سنة 2003) بعد نادين غورديمير. ومن أهم رواياته: “في انتظار البرابرة”، و”خزي”، و”أوقات مايكل. ك”..

أما بول أوستر فهو كاتب ومخرج أميركي، ولد عام 1947. كتاباته خليط بين العبثية والوجودية وأدب الجريمة. وأبرز أعماله: “ثلاثية نيويورك”، “قصر القمر”، “موسيقى الصدفة”، “كتاب الأوهام”، “حماقات بروكلين”. وقد تُرجمت كتبه لأكثر من أربعين لغة.

 في “هنا والآن” يعرج الروائيان الصديقان على قائمة طويلة من الموضوعات: الرياضة، الصداقة، الحب، الأزمة الاقتصادية، القضية الفلسطينية، الشيخوخة، الخوف من الموت، مستقبل الرواية، السينما.. ورغم العفوية البادية، والتفاصيل الشخصية، والشؤون الإجرائية التي تتخلل النقاشات، فثمة هنا لغة وأسلوب أدبيان، صور ومفارقات ومجازات ذكية وزوايا رؤيا خاصة.. ما يصنع كتاباً هاماً وجميلاً، يضيفه كل منهما إلى رصيده بلا تردد.

 في واحدة من الرسائل، يتساءل كويتزي عن الصداقة، ويبدي هذه الملاحظة: كتب كثيرة.. كثيرة جداً عن الحب، مقابل القليل عن الصداقة. ومع ذلك فهو يخبر صديقه أنه هرع إلى المكتبة ليبحث في هذا القليل، فعثر على كلام بلا فائدة تذكر، تخللته ملاحظات قليلة مثيرة للاهتمام: “قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول تشارلز لامب. صحيح ومثير للاهتمام أيضاً، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي”. وأيضاً: “الأصدقاء لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضاً. قارن هذا بثرثرة المحبين… سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها مباشرة وخالية من المشاعر المتضاربة؟”، وملاحظة أخيرة: “وهي أن المرء يمضي بالمرأة إلى سريره ليتسنى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل امرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة. لكن مصادقتك امرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقاً في الأجواء”.

في رسالة أخرى من أوستر، يشكو الكاتب الأميركي من “أن الغباء ازداد على جميع الأصعدة. حينما يقرأ المرء رسائل الجنود المشاركين في الحرب الأهلية الأميركية، يتبين أن الكثيرين منهم أشد ثقافة، ودقة، وحساسية تجاه فوارق اللغة الطفيفة من كتابة أغلب أساتذة اللغة الإنكليزية اليوم. رداءة المدارس؟ رداءة الحكومات التي تسمح للمدارس الرديئة بالتواجد؟ أم هي ببساطة كثرة المشتتات، وكثرة أضواء النيون، وكثرة شاشات الكمبيوتر، وكثرة الجلبة؟”.

 يقول كويتزي في رسالة: “سأكون سعيداً بأن نناقش الذاكرة في وقت ما مستقبلاً، يعني إذا لم ننس الأمر، الجانب الذي يشغلني الآن من جوانب الذاكرة أكثر من سواه هو الشرود. وإنني أراقب نفسي بعيني صقر تحسباً للعلامة الأولى لذهاب عقلي، مع اقتراب نهاية عقدي السبعين على الأرض”..

يرد أوستر: “ضحكت مقهقهاً وأنا أقرأ قولك إنك تعتزم مناقشة موضوع الذاكرة معي.. إذا تذكرنا الرجوع إليه.. في الجملة التالية من رسالتك تشير إلى شرود الذهن، ثم في الجملة التالية لتلك، تقول إنك تقترب من نهاية العقد السبعين على الأرض، بما يعني أن عمرك سبعمائة سنة!. زلة، بالطبع، من تلك التي نقع فيها جميعاً بين الوقت والآخر، حتى ونحن شباب.. ولكن الزلة تكون رائعة حينما تأتي وسط نقاش عن شرود الذهن”.

هكذا تمضي الرسائل بين جد وهزل، نقاش عميق في قضايا فكرية، يليه حديث خفيف في شؤون حياتية وتبادل اخبار عائلية، وخلف كل ذلك ثمة رنة قلق من اقتراب النهاية المحتومة.

أوستر يطمئن صديقه باستعراض نماذج لرجال تجاوزوا الثمانين وما زالوا ينتجون كتباً وأفكاراً بحيوية عقلية تثير الحماس والأمل، ولكنه يعود فيروي له قصة حزينة. إذ ثمة قريب له بلغ التسعين، قرأ ذات صباح في كتاب أن الرئيس الأميركي جون كينيدي كان يرتاد ملهى معين، تصادف أنه الملهى نفسه الذي اعتاد القريب ارتياده مع أصدقائه. فرح بالمعلومة وقرر نقلها إلى أصدقائه بالهاتف. قال الرجل التسعيني لأوستر فيما بعد: “اتصلت بهم الواحد تلو الآخر. لم يجبني أحد منهم. كانوا جميعهم موتى”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر