دقّة حنك الجدات وفراشة معصم الصبايا وثعبان كتف الشباب

فاطمة عمراني

في سرفيس “مهاجرين صناعة”، أتوسط الكرسي العكسي خلف السائق، بين امرأتين، ستينية وعشرينية، ألتفت يميناً ويساراً، يبدو أنني أتوسط المسافة بين حقبتين لا بين امرأتين.

حقبة زمنية كاملة بتاريخها، حضارتها، أماكنها، بيوتها، نسائها، وحتى أوشامها!

تلفتني النقاط الخضراء الثلاثة على ذقن المرأة الستينية، في اللحظة التي يرفع فيها السائق صوت الراديو، فيقول ناظم غزالي:

شامه ودقّة بالحِنك مين يشتريها

لو تنباع كنت اشتريها

خايف عليها وتلفان بيها

الفتاة العشرينية على يساري، تضع سماعات في أذنها، رفعَتْ مستوى صوت أغاني “الروك” الصاخبة حتى أنني سمعتها بوضوح عبر سماعاتها.

أحاول عدّ أوشامها: وردة حمراء تتلوى على ساعدها، فراشة صغيرة تتحرك تحت معصمها كزئبق تحت زجاج، نجمتان صغيرتان على البنصر تلمعان تحت خاتم فضي براق.

امرأتان تختصران حقبتين زمنيتين، يجمعهما الوشم.

من علامة على المجرمين والعاهرات، إلى زينة على الأجساد، خمسة آلاف عام من الوشم، الاختياري والإجباري، الفرعوني والنازي، القديم والحديث، لم توجد حضارة بشرية لم تعرف “التاتو” على الإطلاق.

في وقت ما، كان الوشم هو العلامة المميزة التي يستدل بها على المنتمين إلى الفئات الدنيا من المجتمع، مثل المجرمين والعاهرات، البحارة والسائقين، وغيرهم من الأشخاص المصنفين سابقاً على هامش المجتمع.

الضابط وعالم النباتات، جوزيف بانكس، الذي انضم إلى القبطان جيمس كوك في رحلاته إلى البرازيل وتاهيتي وأستراليا، منتصف القرن الثامن عشر، لاحظ أن سكان جزر بولينيزيا، يستخدمون قطع العظام والأسنان في حفر الجلد لصناعة الوشم، كانت تحيره تلك العادة، فكتب: “من الصعب معرفة ما هو الدافع الكافي لتكبد مثل هذا القدر من الألم، لم يعطني أحد – وقد سألت المئات – سبباً يبرر ذلك”.

العديد من أفراد طاقم كوك عادوا من جزر الجنوب موشومين، وهو ما دشن التقليد الذي سيميز فيما بعد البحارة الأوروبيين، كما شجع المجرمين والمنتمين للطبقات الأدنى للحصول على أوشام. ومع بدايات القرن التاسع عشر، كان حوالي 90% من بحارة الأسطول الملكي البريطاني يحملون أوشاماً. وشم السلحفاة كان يعني أن البحار عبَرَ خط الاستواء، ووشم المرساة يعني أنه عبر المحيط الأطلنطي، أما وشم التنين فيعني أنه أبحر في الشرق.

لم يكن الوشم دوماً اختياراً، ففي عهد القياصرة في روسيا ومن بعدهم السوفييت كان يتم وشم المساجين وفقاً لجريمتهم وعقوبتهم، وبالمقابل وشم النازيون أرقاماً مسلسلة على المعتقلين في معسكرات الاعتقال.

التداوي كان أحد أسباب استخدام الوشم في الحضارة الفرعونية، من منطلق أن للوشم قوة علاجية سحرية قادرة على دفع الأرواح الشريرة المسببة للمرض، حيث اعتاد الفراعنة على وشم عصفور على جبهة إنسان لاعتقادهم أن ذلك يمنع عنه الصداع، واستخدم الوشم للنساء في فترة الحمل كتميمة لضمان سلامة الأم والجنين في الحمل وأثناء الولادة.

كما كان الوشم يستخدم للزينة والتجميل، فيحاكي الحلي ويعتبر بديلاً عنها، وهذا يفسر أن الأماكن التي وجد فيها الوشم هي نفس الأماكن التي كانت تعتاد النساء تزيينها بالحلي.

شمل استخدام الوشم أيضاً إعادة تكريس المفهوم الديني في تفسير طبيعة الكون ومدلولاته الفلسفية، واستمر استخدام الوشم للتجميل وللتعبير عن المعتقدات الدينية حتى يومنا هذا.

الآن، بات الوشم صيحة شائعة، هناك من يروجون لها منذ وقت مبكر، جورج أورويل كان لديه بقع زرقاء لامعة على جسده، كما رسم تيدي روزفلت شجرة عائلته على صدره، وتقول الأسطورة إنه بعد معركة “هاستينج” لم يتم التعرف على جسد هارولد الثاني إلا بشكل الوشم الذي رسمه لاسم زوجته “إيديث” ولكلمة “بريطانيا” أعلى قلبه.

في الشوارع، في النوادي، في الجامعات، وحتى في المدارس، يكاد لا يخلو جسد من وشم ما، حتى بات يشكل هوساً اليوم عند الصغار قبل الكبار.

تختلف رمزية الوشم باختلاف الثقافات والميول والأهداف. البعض يرى أنه يزيدهم إثارة ويُشعرهم بالتمرد والقوة والجاذبية، أو يضفي عليهم صفات روحية، وفي المقابل ينظر البعض الآخر إلى الموشومين على أنهم أشخاص عدوانيون، ويرجح أن السينما والدراما قد ساهمت بتشكيل هذا الإيحاء، فغالباً ما تمتلك الشخصية الشريرة وشماً أو اثنين.

وبالتالي، خرج الوشم عن هدفه الجمالي ليصبح معبراً عن انتماء ديني، اجتماعي، فكري، وتنوعت أشكاله ما بين كلمات عميقة: “أمل، إيمان، يقين”، رموز دينية: “صليب، أنبياء وأولياء”، أبيات شعرية: “رباعيات، قصائد محمود درويش”، أغاني: “أم كلثوم، فيروز، زياد الرحباني”، حكم وأمثال، أوطان ومدن: “سورية، دمشق، حلب، شآم”.

ويبدو أن هذه المعتقدات كانت كافية ليتحمل الموشوم الألم الشديد الناتج عن إبر الثقب، التي تدرج الأصباغ وقطرات الحبر الصغيرة من خلال ثقوب في الطبقة العليا للجلد، بالإضافة للخطورة الكبيرة للمواد الكيميائية، وذلك تحت مسمَّى الفن أو التعبير عن الذات.

فقد كشف تقريرُ المفوّضية الأوروبية حول الأخطار الصحية للوشم أنّ قرابة الـ 40% من الصبغات العضوية المستخدمة في الوشومِ الدائمة في أوروبا غيُر مسموحٍ باستخدامها على الجلد عنصراً تجميلياً، وكشف أنّ ما لا يقلَّ عن 20% من الملونات التي دُرِست تحتوي على أمينات عطرية مُسرطِنة.

الأصبغةَ المأخوذة من الطبيعة التي استخدمها الأسلافُ بعيدةٌ كلَّ البعد عن الأصبغة التي نستخدمها هذه الأيام، فالعديد من الموادّ الكيميائية المستخدمة مُعَدّة بالأصل للاستخدام في الكتابة وأحبار الطابعات أو دهان السيارات!.

ولم تستطع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تنظيمَ الأصبغة السامة التي نضعها تحت جلودنا كما فعلت بالنسبة إلى بعض الموادّ الموجودة في مستحضرات التجميل والفيتامينات والعقاقير ومُحسّنات الأطعمة، وطالبت بالكشف عن العناصر الموجودة في الملوِّنات المستخدمة في الوشم التي قد تحتوي على موادَّ كيميائية تسبّبُ تشوهات أو عيوبَ خِلقيّة أو السرطان، كذلك فإنها قد تشارك في التفاعلات الكيميائية الحيوية في الجسم التي قد تستغرقُ عقوداً لتظهر آثارها.

لاحقاً، سيدفع أصحاب الوشوم ثمن جهلهم بمخاطر التاتو، ولو كانت نادرة الحدوث، كردات الفعل التحسسية التي تسبب حكة في موقع الوشم يمكن أن تستمرَّ عدة سنوات بعد نقش الوشم، بالإضافة لإمكانية حدوث الندوب، والإنتانات الجلدية، وتشكل الأورام الحبيبية حول موقع الوشم، وانتقال أمراض خطيرة عبر الدم كالكزاز والهربس والإيدز، والزهري وغيرها.

كما سيُرفَض إجراء فحص الرنين المغناطيسي لأصحاب الوشوم في حال الحاجة، وذلك بسبب ذرّات العناصر المعدنية الموجودة في صباغ الوشم التي قد تسبب بدورها آلام حروق شديدة في أثناء التصوير، وفي بعض الحالات تؤدّي صبغات الوشم إلى تداخلات في جودة الصورة.

من جهة أخرى، يعتقد كثيرٌ من الناس أنّ تعقيم الجلدِ جيداً بالكحول قبل تطبيق الوشم سيجنّبهم الأخطار الناجمة عن الوشم، لكن تطبيق الكحول سيزيد من نفاذيّة البشرة ومن ثمَّ سيزيد من نسبة المواد الكيميائية المنتقلة إلى مجرى الدم.

وإذا تغاضينا عن كل هذه المخاطر، لا يمكن أن نتناسى حقيقة أن معظم مراكز الوشم غير مصرح لها ولا تخضع لأدنى الشروط الصحية التي تستلزم عملها أيضاً.

لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. فقرار  الحصول على وشم يشبه في أهميته، قرار الزواج، الإنجاب، الهجرة، وحتى إذا قرر الموشوم إزالة الوشم عن جلده بواسطة الليزر، فإنها عملية طويلة المدى ومكلفة مالياً، ولا تخلو من تشويه للجلد، فتبقى آثار البقع واضحة، كما يوجد بعض الألوان التي يصعب إزالتها، ولا يمكن تفتيتها بالليزر بشكل كامل.

الساعة الثامنة مساءً

شارع العراقيين، بلدة السيدة زينب

خرج ثلاثتهم مسرعين من محل “كوبرا” للوشم، الوقت قد تأخر ولديهم دوام في المدرسة غداً. ودعوا صاحب المحل على أمل العودة خلال باقي الأسبوع لاستكمال المبلغ المترتب عليهم لقاء الوشوم التي حصلوا عليها.

عادوا إلى منازلهم، أحدهم يحمل وشماً على فخذه يمتد حتى أعضائه التناسلية كشجر اللبلاب، الثاني كان وشم النبض رابضاً على زنده، والأخير كان ساعده مليء بخربشات من آثار إزالة وشم لم ينجح.

في غرفة لم تتجاوز مساحتها ثلاثين متراً، لم يمانع “الكوبرا”، كما يسمونه، من نقش ثلاثة وشوم على أجساد مراهقين لا يزيد عمر أكبرهم عن 14 عاماً. غالباً ما سيغير هؤلاء الشبان انطباعهم تجاه الوشم الذي رسموه، وربما يحاولون إزالته، باستخدام الليزر أو الأشعة فوق البنفسجية، عندئذ ستكون المحصّلةُ حروقاً جسدية، وحروقاً نفسية أعمق منها بكثير.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر