اطلبوا الندم ولو في الصين

لجين سليمان

ها هي الساعة تعلن قدوم الثالثة ظهرا بتوقيت “جمهورية الصين الشعبية”، وعلى الرغم من أنه لم يكن يرغب بتغيير ساعته عن التوقيت السوري، توقيت دمشق تحديدا، إلا أن الزمن يهاجر قبلنا أحيانا، فهاهي ساعة الهاتف الذكيعدلت نفسها تلقائيا، معلنة قدوم زمن جديد، لم يتقبله بعد.
وعلى الرغم من شعوره بضياع بعض الساعات، وكأنها سقطت سهوا من أحد الأيام،بينما كان يطير جوا في فضاءات هذا العالم، إلا أنه لا مشكلة، ربما سيجد حلّا لهذا اللغز فيما بعد.
بدأ الطريق بكشف عن أبراج شاهقة روائح عطرة تملأ الشوارع، شوارع عريضة، بعرض منظّم، ولكن لا، فساحة الأمويينأجمل، خاصة في وقت الغروب.
ضبط ساعة يده على التوقيت السوري، فحتى لو تباعدت الجغرافيا، ستبقى ساعة اليد توصله بذاك الزمن الذي غادره منذ ساعات، ولم يرغب أنه ينتهي، يا له من زمن جميل.
دخل بناء السكن الجامعي، وعلى الرغم من أنه لا يقارن بسكن أي من المدن الجامعية في أي جامعة سورية، إلا أنه لم يعجبه، قرر الإقامة في الخارج، فقد أغرته تلك الأبراج الشاهقة المصطفة بانتظام، فماذا ينقصه كي يقيم في أحدها؟.
خلال ساعة كان قد حصل على منزل جميل في الطابق 12 في البناية المؤلفة من 18 طابقاً، وعلى الرغم من أنه كان قد جال الشام وضواحيها بحثا عن غرفة لائقة للسكن، لم يشعره وجوده في هذا المكان بالسعادة.
في اليوم الثاني من الإقامة، قُرع جرس المنزل،قام ليفتح الباب، نعم إنه صاحب المنزل، يا له من مزعج ماذا يريد، دخل ووراءه عامل يرغب في أن يصلح ما تعطّل في المنزل.
تساءل قائلاً: لكني لم أطلب إصلاح أي شيء. أتت الإجابة سريعة، إنه عملنا ولا يمكننا أن نسلمك المنزل بهذا الشكل، ونعتذر عن قلة تواجد الإنارة المخفية في السقف والديكورات.
انتهت إجراءات التسجيل الجامعية، ودخل إلى المحاضرة الأولى، كان البروفسور ألمانياً، لاحظ اختلاف رسمة عيونه عما هو سائد لدى الصينيين، ما دفع الأستاذ الجامعي إلى سؤاله عن بلده الأصلي، قال بكل فخر: أنا سوري، ولمعت في ذهنه أغنية “أنا سوري آه يا نيالي” بصوت عبد الرحمن آل رشي. سأله الأستاذ الجامعي عن الأوضاع في سوريا، وفجأة بات الأمر بنظره عبارة عن مؤامرة خارجية، وعلى الرغم من أنه كان مقتنعاً بالأخطاء والفساد والإجحاف بحق سوريا والسوريين من قبل جميع من يقطنون الطبقة المخملية، مصرين على عدم التنازل عنها، إلا أنه من غير المعقول أن يتحدث أن السوري الكبير الحوت يأكل ثروة السوري الصغير الدرويش ويتركه جائعاً، ولم يتراجع عن حدّة الوصف إلا عندما شعر بأن خطابه بدأ يقترب من خشبية معهودة فتراجع قليلا.
وفي الأثناء التي كان يخبره فيها أستاذه الجامعي بأنه قادر على المشاركة في أي مؤتمر حول العالم، وفي أي مكان يرغب بالذهاب إليه لأن المناقشة ضرورية في هذه المرحلة، تذكّر أستاذا جامعيا في سوريا كان يقول له أنت تدرس في أوقات فراغك على الرغم من كل الجهد المبذول.
ومع كل هذا لم يكن سعيدا، إنها الحياة الهادئة لا مشاكل ولا إثارة، وكلّ ما يحدث يكون كما يجب أن يحدث.
وفي الغالب كان يتمنى أن يحدث كل ما يحدث، على أرض سورية، منهيا جدلية الوطن السائدة في ذلك الوطن، حول أن الوطن هو تراب أم بشر، بقرار واحد، إنه تراب بلا سلطة، تراب يحكمه البشر بعلمهم وحكمتهم.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر