رحلة إلى المقبرة!

علي حسون

كان يوماً مشؤوماً في حياة أهل القرية، يوماً خزّنته ذاكرتهم الجمعية حتى تحوّل إلى “ملهم” لهم في حياتهم ومستقبل قريتهم.

بدأ الأمر في صباح يوم الجمعة الأولى من العطلة الانتصافية عام 1983 حين تجمّع لتلاميذ في ساحة المدرسة استعداداً للانطلاق في رحلة ستكون الأخيرة في القرية منذ ذلك اليوم قبل 36 عاماً وحتى الآن!

نحو 150 تلميذاً من ثلاث شعب في الصف الخامس ومثلها في الصف السادس، انطلقوا فيما اعتقدوا أنها إحدى أجمل أيام حياتهم.

كانت الوجهة نحو ريف طرطوس، حيث استقلّ التلاميذ ومدرّسيهم باصين تعود ملكيتهما لسائقين من قرية مجاورة، ذلك أن أبناء القرية لم يكن لديهم باصات.

كل شيء يشي بيوم اعتيادي أو ربما سعيد للأطفال وأهاليهم؛ حتى تفتّقت قريحة أحد طلاب الصف السابع الممنوعين من الالتحاق بالرحلة عن كذبة مفادها أن باصي الرحلة قد “هوّرا”.

وسقطا في وادي جهنم السحيق، ومن يعرف وادي جهنم سيعلم أن لا أمل في نجاة أياً كان من الحادث الفظيع.

سرعان ما تحولت الكذبة إلى خبر مؤكد تتناقلها الألسن؛ لينتشر خلال ساعات قليلة انتشار النار في حقل شعير يابس.

عند الظهيرة، وفيما كان التلاميذ ومرافقيهم قد وصلوا إلى وجهتهم بكامل سعادتهم ورغبتهم باكتشاف العالم، كانت القرية من مفرق الطريق القديم غرباً وحتى بساتين الشاغور شرقاً، ومن البارد شمالا وحتى أرض الحمرا والكسارة جنوباً قداشتعلت رعباً من هول الكارثة التي ألمت بـ 150 طفلاً من أبنائها، وخلال ساعة على انتشار “الكذبة” خرجت القرية عن بكرة أبيها، يهيم أهاليها في الطرقات على وجوههم، وتندب النساء بكامل فجيعتهن أبناءً في عمر الورود، فيما بدأ الرجال اجتماعاتهم “التشاورية” لتنسيق موقفٍ موحّد مما حدث، كانت إحدى نتائجه؛ المباشرة بحفر قبور أبنائهم استعداداً لوصول جثامينهم أو ما بقي منها.

يتناقل أهالي القرية حتى اليوم بعد ترديد العبارة الشهيرة “تنذكر وما تنعاد” أكثر المواقف قسوةً وغرابةً في ذلك اليوم المشؤوم، وتتفوق جملة أم رائد الشهيرة على ماعداها في السباق؛ حين كانت تصرخ في الشوارع وهي التي فقدت وحيدها وشقيقته التوأم في ذات الرحلة ونفس الساعة: “يااارب؛ لتكن رائدة فداءً لرائد”! فأم رائد لديها خمس بنات إناث، لكن رائد وحيدها وسندها وحامل اسم العائلة!

أما أنا، فقد صادف يوم رحلتي؛ يوم وصول شقيقتي الكبرى من دمشق في إجازة برفقة صديقتها “الإريتيرية”. علمت فيما بعد أن أختي المسكينة سقطت مغشيّاً عليها فور سماعها نبأ وفاتي؛ لتتوالى الإغماءات مع كل خبر جديد عن الرحلة المنكوبة، لكن ليتفق العديد من الجيران أن فاطمة الإريتيرية “السوداء” هي نذير شؤمٍ لا محالة، فما معنى أن يصادف يوم قدوم أول فتاة سوداء في العالم إلى قريتنا مع أفدح كارثة تحل بالقرية وأهاليها؟!

في طريق العودة من الرحلة، كنا جميعاً (تلاميذ ومشرفين وسائقين) قد قضينا وقتاً ممتعاً وقررنا بتشجيع من مرافقينا الكبار متابعة رحلة الفرح إلى آخر دقيقة، عبرالغناء في الباصات “سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة” و”يا شوفير دوس دوس الله يبعتلك عروس شقرا وحلوة من طرطوس”.

كنا نملأ فضاء الباص بأصواتنا وضجيجنا!

حين وصل الباصان إلى مفرق القرية على بعد كيلو متر ينعن وسطها؛ كانت بعض الحشود قد وصلت إلى هناك أيضاً، فبدأ إطلاق النار ابتهاجاً بعودتنا بالسلامة، لكن أصوات الأعيرة النارية كان بالنسبة لمن بقوا في القرية تأكيداً للمحتوم (موتنا) حيث كانت هذه اللحظات هي الأقسى على الأمهات والأخوات اللواتن ارتفعت أصوات نواحهن وصريخهن على “فُقدائِهن”، وسجلت حالات الإغماء الجماعية رقماً قياسياً قدره الفضوليون ممن لا أطفال لهم في الرحلة المنكوبة بالمئات، وكانت شقيقتي الكبرى من بينهن بالطبع!

حين وصولنا إلى “ساحة المدرسة” صعد رجال القرية إلى الباصين ومن بينهم خالي ليتلقفني وبنت خالتي كلٌّ منا بيد، وليركض بنا مستعجلاً نزولنا من الباص: بسرعة لأن رجال القرية “تحمطوا” للسائقَين –المتسببين بالحادث –الذي لم يحصل طبعا!- واتفقوا على تلقينهما قتلة “حشك ولبك”، وهذا ماكان وسط صراخ التلاميذ وذهول سائقي الباصين اللذين كانت جريمتهما الأفظع أنهما من قرية مجاورة اعتدنا أن نبادلها الضغينة ونصِم بعضنا بأبشع الصفات والاتهامات على أساس متين لا تشوبه شائبة عنوانه “كره أي آخر مختلف حتى لو كان يقاسمنا نفس الماء والهواء و.. الفقر حد الألم،”!.

تمت مهمة رجال قريتنا “الأشاوس” بنجاح: ثأروا لمقتل أبنائهم في “حادث أليم” لم يقع أصلاً، من سائقين لم يفعلا شيئاً سوى أنهما كانا أمينين في اصطحابنا ومن ثم إعادتنا بأمان إلى أحضان عائلاتنا دون أني صيبنا خدش!

في الواقع، ومنذ ذلك اليوم المشؤوم الذي متنا فيه جميعاً كان مقدّراً لقبورنا أن تبقى مفتوحة طيلة عقود تستقبل جثامين السوريين الذين “كذبوا الكذبة وصدقوها” فملؤوا مقابرهم بالجثامين حتى ضاقت بنا جميعا اليوم !

نعم.. كان يوماً مشهودا أيها السوريون، انتصرنا فيه على أنفسنا وعلى أولادنا وعلى مستقبلنا، ما زلنا حتى اليوم نتشاءم من “الرحلات المدرسية” ونقمع أبناءنا إن روادتهم أية أفكار “انتحارية” من هذا النوع، ذلك أننا اختبرنا وبالتجربة المثبّتة أن لا أمان لنا خارج حدود قريتنا، وأن الأعداء يتربصون بنا وبأبنائنا في أقرب نقطة، ليرموا بنا في وادي جهنم، فهل نقدم لهم هذه الفرصة على طبق من ذهب، ونحن الذين ترك لنا أجدادنا الحكماء ومن قبلهم أجدادهم الأكثر حكمةً مقولة منذهب: “اللي طلع عن ملتو.. مات بعلتو”؟!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر