جحافل الحمقى تغزو الكوكب عبر شاشة موبايل

عزام عبد المجيد علي

في مقابلة صحفية، قبيل وفاته ببضعة أشهر، قال الروائي والمفكر الإيطالي امبرتو إيكو إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك «تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء».

الأمثلة التي تؤيد ملاحظة إيكو كثيرة، إذ يزخر العالم الافتراضي بالكثير من نقاشات البارات وثرثرة السكارى.
ثمة منصة على فيسبوك تفخر بأنها تجمع أكبر عدد من الشباب السوري (500 ألف)، ويكفي زيارة خاطفة إلى هناك لتعرف عما كان إيكو يتحدث.

فمنذ أيام نشرت فتاة جميلة بوست يتكون من كلمتين تعلن من خلالهما أنها انتهت من الحمّام (خلصت حمّام)، وقد حصل هذا البوست على عدد كبير من الإعجابات إضافة إلى آلاف التعليقات التي كتبها متملقون يبدو أن حمّام الفتاة يشكل بالنسبة لهم حدثاً جللاً. وكذلك فقد حصد اثنان من البوستات آلاف “اللايكات”، الأول يقول: “صباح الخير”، والثاني: “تصبحون على خير”!.

من المعروف أن الشباب يميل عموماً إلى السخرية، التي ربما تكون سلاحاً يسنده في معركة قاسية ضد أحكام الكبار وقيودهم. وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أفسحت حيزاً واسعاً لممارسة هذا الميل بحرية وبفعالية أكبر، فإنها في الوقت نفسه، قد شجعت الشباب على التمادي، لتكون السخرية (بمعنى أصح: المسخرة) هي الاستجابة الوحيدة إزاء كل شؤون الحياة ومستجداتها. وهكذا صار الشباب، في كثير من منصاتهم، يسخرون من كل كلام جدي، من كل تحليل هادئ ومسؤول، ومن كل فكرة علمية أو ثقافية.. وصار على كل من يرغب في حديث جدي أن يعد للألف قبل أن يغامر بوضع نفسه دريئة لـ “المسخرة الالكترونية”.

قبل فترة، انتشر مقطع فيديو لفنانة ردت على أحد متابعيها بعد تعليقه سلباً على لباسها: “هيدول نعمة من الله ليش بدي خبيهم”، لتشكل هذه العبارة الفارغة محور جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وحظي بآلاف الإعجابات والمشاركات، وأصبحت هذه الفنانة محل اهتمام الجميع حتى أن عدد متابعيها على الفيسبوك والانستغرام قد زاد بشكل مهول.

ولا يكاد يمر شهر دون أن يحظى تصريح “خطير” مشابه بمثل هذه الضجة الكبيرة، هناك مثلاً بوست لفنانة تقول فيه “هلق كلهم بيجوا”، والذي كاد أن يتحول إلى واحد من العبارات الخالدة!، وكذلك أصبح الهاشتاغ المتداول الأول لدى الشبان السوريين هو هذا: “هنت قد الدولة ولك حيوين”.. وهل من الحكمة أن نسأل عن معنى هذه العبارات وعما تعنيه لهؤلاء الآلاف من المتحمسين؟!.

دائماً ما يحدث الأمر على هذا النحو: تصريح تافه من أحد ما، فيسارع الشباب، عبر مجموعاتهم، إلى السخرية عبر آلاف التعليقات، ما يعطي شهرة واسعة ومجانية للتصريح وصاحبه، فننتقل من مبدأ نقد التفاهة إلى تعميمها.
يصف شخص، انسحب مؤخراً من العالم الافتراضي، نفسه بأنه “تائب”، ويقول: “هذه الغروبات شجعت على سطحية التفكير، وباتت منصة لإطلاق التفاهات بمختلف أنواعها، والمشكلة الأكبر هي صعوبة وضع حد لهذا الانحدار المريع نحو الهاوية”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر