سيادة “الأخ المواطن”

علي حسون

لم يكن خبر تولي “عويّد” رئاسة البلدية عادياً، فالرجل الثلاثيني الذي أجمع كل من عرفه على مناداته باسمه المصغر من عواد، استطاع رغم كل ذلك الحصول على شهادة الإعدادية بعد ثلاث سنوات من المحاولات، وناضل ضعفها ليتمكن من الحصول على شهادة الثانوية، لكن ذلك ليس مهماً حقاً، فالشاب الذي يعرف أن الشهادة شرط ضروري لما سيأتي لاحقاً، ناضل بقوة وبدون استسلام للحصول عليها ونال مراده وسدّد في سبيل ذلك ست سنوات إضافية من عمره!.

كان مستقبل “عويّد” واضحاً، على الأقل في ذهن أمه التي لم تكن لترضى أن يكون ابنها الذي ينظر إليه الناس ب”عينٍ ناقصة” أقل شأناً من خاله “شقيقها” الذي فاجأ الجميع بتدرجه من كاتب تقارير منبوذ في قريته إلى مسؤول في شعبة الحزب في المدينة. زرعت الأم في عقل ابنها أن منصباً معتبراً في انتظاره، ولكن بشرط أن يحصل على “شقفة هالبكالوريا”. وهكذا سار الأمر كما هو مخطط له تماماً في ذهن الشقيقان “الأم والخال”، ولسان حال “عويّد” عند استغراب بعض أترابه من خبر ترشحه لمنصب رئيس البلدية، وهو غير القادر على صوغ جملة واحدة بشكل صحيح، مفاده: طالما أن لديك خالا لا يرفض لأخته طلباً، ومسؤولين لا يرفضون لخالك طلباً فلا تستغربوا ؟ فكيف إذا كان الطلب من عيار ” بدنا ننجحو برئاسة البلدية”.. مستغرباً استغرابهم، ليتضح بالبرهان أن هذا البلد لا يبخل بإعطاء الفرص وإسناد المناصب لأبنائه حتى لو كانوا “بنصف عقل”!

وبالفعل، استطاع الخال الفعّال في الحزب تسيير أمور الترشح وإبعاد المنافسين الحقيقيين (بالترغيب والترهيب)، وحشد المؤيدين لفوز ابن أخته رئيساً للبلدية لدورتين كاملتين! في أول يومٍ له بعد تبوّئه “المقدّر له” لمنصب رئيس البلدية، تقمّص عواد الدور كما يليق برئيس بلدية، مؤكداً على نيته البدء في تنفيذ الوعود التي أطلقها خلال “المعركةالانتخابية” والتي أسرّ له خاله أنها ضرورية لترسيخ القيم الديمقراطية: (تزفيت الشوارع المهترئة – المطالبة بخزان كهرباء إضافي للقرية التي لم يعد خزانها الرئيسي قادراً على تحمل الضغط الناتج عن توسعها – السماح للأهالي ببناء ثلاثة طوابق بدلا عن الطابقين، وغيرها من الوعود..). بدأت جولة رئيس البلدية الجديد على “رعيته” مرتدياً خلال جولته وللمرة الأولى في حياته، بدلة رسمية كان قد اشتراها له خاله من المدينة خصيصاً لمناسبة الفوز في “الانتخابات الديمقراطية”: طقم بنّي فاتح بقميص سكّري وربطة عنق مخططة بالأبيض والبني الغامق كما كان دارجاً تماماً في فترة أواخر التسعينيات، وكما يليق برئيس بلدية ذاهب بكل ثقة إلى القرن ـ بل ـ إلى الألفية الجديدة.

لكن هذا الزي الجديد لمن كان معروفاً عنه تقشفه وجهله في اللباس والظهور والكلام وفي الخبرات الأخرى المطلوبة في شتى شؤون الحياة، كان له وقع الصاعقة على نهاوند، العجوز التي ترعى بضعة أغنام في مروج القرية، والتي تزوجت قبل خمسين سنة رجلاً من خارج القرية كان يعمل “مرابعاً” لدى ملّاك الحمضيات الكبار. فتحت المرأة الستينية فمها اندهاشاً لدى رؤيتها “عويّد” بحلته الجديدة، لكن الأمانة تستدعي الاعتراف بأن اندهاشها كان مشوباً ببعض الإعجاب، حيث اختلف المراقبون لنظرتها مع أولئك المتابعين لحركة شفاهها بين من يقول بأنها رددت في سرّها ما معناه “حمار معبا ببنطلون” أو”لبّس العود بيجود”. إلا أن ما عبّرت عنه نهاوند صاغته فعلياً في جملتها الشهيرة التي سيحفظها أهل القرية وسيتناقلونها إلى الأبد: ” عويّد ؟..هادا أنت؟.. والله ما فكرتك غير أخ مواطن” ! عقد الرجل حاجبيه وقطّب جبينه لدى سماعه عبارة المرأة الفضولية مجيباً عليها ما سيكون التتمة لأهم عبارة قيلت يوماً في الانتخابات البلدية:” وا شحار شبابي شو جحش لكن؟”.

حتى يومنا هذا، أي بعد عشرين عاما على الواقعة، مرّت الكثير من الأحداث في القرية: تزوج رئيس البلدية إحدى أجمل المعلمات في القرية، وأنجب منها أربعة أولاد – أكبرهم يناضل للفوز بشهادة البكالوريا منذ سنتين – ومع ذلك لم يكن منصب عويّد “الرفيع” كأعلى سلطة تنفيذية في القرية لثمانية أعوام – بعد سلطة خاله الحزبية طبعاً – ومحاضِر البناء التي انطلق بناؤها في طول القرية وعرضها، والتي حولت رئيس البلدية إلى مليونير، كل ذلك لم يكن كافياً لمنع زوجته الجميلة من الهرب “في ليلة ما فيها ضو قمر” مع جارهما الثلاثيني، يقول مقربون من العائلة بأن المرأة لم تطق احتمالاً أكثر فتركت “الجمل” بما حمل وتخلّت عن الحياة في الفيلا الرائعة وعن الحياة الرغيدة وضحّت حتى بالأولاد، لتعيش في غرفة مع شاب فقير عاشق كان قادراً على ما يبدو على صوغ حب حقيقي ونظيف لمعشوقته بعيداً عن حياة النعمة المحدثة وموائد العشاء المتخمة التي كانت كثيراً ما تشهد اتفاقات على تقاسم الأرباح، وتواطئاً بين زوجها السابق وبعض تجار وسماسرة العقارات الذين حوّلوا القرية الشهيرة ببساتين الحمضيات وخلال ثماني سنوات فقط إلى عدد هائل من الكتل الإسمنتية الصماء والمشوّهة!.. أما نهاوند التي تجاوزت الثمانين من عمرها فلم يعد أهل القرية يلحظونها إلا فيما ندر في شوارع البلدة بعد وفاة زوجها “المرابع” وابنها البكر الذي قضى بجلطة قلبية. انزوت العجوز في غرفتها إلى جانب أحفادها دون أن تخرج حتى إلى النبع الذي كانت تسقي غنماتها منه قبل أن تبيعها في محاولة لإنقاذ حياة ابنها مريض القلب!

لكن أهل القرية ما زالوا يتذكرون بكثير من الحنين والإعجاب جملتها الشهيرة عن “الأخ المواطن عويّد” ويجهدون في تفسيرها خلال سهراتهم حتى اليوم، فيقول بعضهم بأن أم سليم نهاوند التي أدمنت في كبرتها سماع نشرات الأخبار على القنوات الوطنية اكتشفت بفطرتها أن “الأخ المواطن” الذي تتم مخاطبته بنوع من التبجيل والاحترام منقطع النظير، وتُقدّم له الوعود وتوجّه له الدعوات والمبادرات بالتطوع والاكتتاب والتسجيل على شقق سكنية، واختيار خطوط لاحقة الدفع أو مسبقة الدفع، وتوجّه له كل هذه الرسائل اليومية، إنما هو حقيقةً مسؤول من نوع ما بطقم وربطة عنق، وهو في أغلب الظن يشبه رئيس البلدية حين صادفته نهاوند في أولى جولاته بعد تقلده للمنصب الأهم في القرية! إنه ذلك “المواطن” الذي أصبح مليونيراً خلال بضع سنوات فقط، يمتلك فيلا كبيرة ومجموعة من الشقق في كل محضر يتم إنشاؤه في القرية.. ويستطيع فوق كل ذلك الزواج من أخرى أكثر جمالا وأصغر سناً، أخرى ستنجب له المزيد من الأولاد، ولكنها لن تكون حبيبته على الإطلاق.. على الإطلاق.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر