“اليوتيوبرز”.. أن نجعل من الحمقى مشاهير!

فاطمة عمراني

تستيقظ صباحاً لتجد فجأة أن ثلاثة أو أربعة من أصدقائك وقد تحولوا إلى يوتيوبرز. أحدهم صار كوميدياناً، والآخر صار خبيراً تقنياً، والثالث مدرّباً في الذكاء العاطفي. وعلى الأرجح ستكون النتيجة أن تخسر ثلاثة أو أربعة من أصدقائك، دون أن تكسب كوميدياناً خفيف ظل، أو خبيراً تقنياً موثوقاً، أو مدرب ذكاء عاطفي ذكياً أو عاطفياً..

من بوابة “اليوتيوب” الواسعة، بات بإمكان أي شخص أن يسطع نجمه تحت أضواء الشهرة التي لم تعد تقتصر على شاشات التلفاز، فرأسمال النجومية اليوم كاميرا الهاتف المحمول وحساب على موقع اليوتيوب فقط!

و”اليوتيوبر” هو اسم يطلق على صانعي المحتوى في موقع اليوتيوب، والذين بطبيعة الحال، باتوا يزاحمون الممثلين والمطربين على السجاد الأحمر وعدسات “الباباراتزي”.

وما بين حالم بالشهرة، وطامح بالغنى، أو حتى راغب بإفادة المجتمع، تتباين أهدافهم، لتصبح مهنة “اليوتيوبرز” اليوم مهنة رسمية كمهنة المعلم أو الطبيب أو المهندس، ولا يُستبعد أن يؤسسوا نقابة يوتيوبرز في القريب العاجل.

ومع اختلاف ثقافة المجتمعات والبيئات والجمهور المستهدف، يختلف المحتوى الذي يقدمه هؤلاء، ففي نهاية العام 2018، أصدرت مجلة فوربس تقريراً يسلّط الضوء على أبرز مشاهير يوتيوب على مستوى العالم والذين حققوا أعلى أرباح في العام من خلال قنواتهم على الشبكة الاجتماعية المتخصصة في محتوى الفيديو.

وعلى الرغم من أن القائمة لم تختلف كثيراً عن السنوات الماضية، واستمرّت بالأسماء نفسها مع اختلاف المراكز، فإنها تعطي إشارات شديدة الأهمية بخصوص نوعية المحتوى الذي يستهوي جمهور يوتيوب.ومن أنماط محتوى الفيديو التي لا تزال شعبية للغاية على موقع يوتيوب، والرائجة عربياً: التدوين المرئي، ودروس الماكياج والتجميل ومراجعة الألعاب والبرامج، دروس الحاسوب والتقنية، الطبخ، العزف، النقد الفني، الستاند أب كوميدي، وغيرها الكثير.

نحو 180 مليون دولار هو إجمالي الأرباح التي حصدها العشـرة الأوائل فقط من مشاهير يوتيوب خلال هذا العام، جميعهم من الذكور مع غياب العنصر النسائي تماماً.

رأس هذه القائمة هو الطفل “رايان” الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد، بينما بقية اليوتيوبرز تتراوح أعمارهم بين العشـرينيات ومطلع الثلاثينيات، وتختلف توجهات المحتوى الذي يقدمونه، وإن كانت جميعها تتركز في “الترفيه” فقط.

“الثقافة لا تكسب عيشاً والأفكار لا تطعم خبزاً” مبدأ اقتنع به كثير من العاملين في حقل الثقافة سواء كانوا كُتاباً أو أدباء أو شعراء أو حتى صحفيين، لكن الباحث الاسكتلندي ماثيو ماكيفر لا يتفق مع هذه القناعة السائدة، فبرأيه أن الأفكار تجني كثيراً من الأموال وتصبح مربحة عند عرضها بالطريقة الصحيحة على الوسيلة المناسبة، ويضرب المثل بمقاطع الفيديو الثقافية والترفيهية المنتجة جيداً على منصة الفيديو يوتيوب، التي تجني بالفعل مشاهدات هائلة وأرباحا في كثير من الأحيان مما يجعلها مزيجاً رائعاً من الأموال والأفكار، حتى في مجالات صعبة ولا تحظى بمتابعين كُثر مثل الفلسفة، ويبدو أن “اليوتيوبرز” هم الأقرب لإدراك أن الأفكار تتمتع بالفعل بجاذبية كبيرة ولهذا استفادوا من هذا “السوق” بنجاح.

ويبلغ متوسط تحقيق الربح عبر اليوتيوب من 0.5 إلى 2 دولار أمريكي لكل 1000 مشاهدة على اليوتيوب اعتماداً على مكان المشاهدين والجمهور المستهدف. هذه الأرقام تتباين لكن معظم القنوات تحصل على متوسط 0.5 دولار أمريكي لكل 1000 مشاهدة.

الرغبة في مزيد من الشهرة والأرباح قد أشعلت الحرب بين اليوتيوبرز، حيث أن وصول اليوتيوبرز السورييَن، بيسان إسماعيل ومحمد جواني، إلى المليون متابع قد “ضغط” منافسيهم في “الكاريير”، فعبرا عن لا مبالاتهما بأغنية تقول: “الكل فاتح قناته وعم يحكي مع حاله، جبنا المليون وهو بعده بمكانه، مضغوط جبنا المليون، مضغوط من الساحة هون (أي بألمانيا)”.

“انضغاط” المتابعين والحاقدين والحاسدين كان بسبب شهرة بيسان وجواني التي اكتسباها بفضل فيديوهات مقالب بين الأخيرين على شاكلة: “مقلب أنا حامل”، “مقلب صابني السرطان”، “مقلب البوسة”، “مقلب القتل” وغيرها.

أما اليوتيوبر السوري وسام تيكيت فيبدو أن السماء لم تعد تسع نجوميته بعد سلسلة الفيديوهات الساخرة “مأفّل” التي أطلقها، فغنّى: “مين بجيبنا نحنا، شوفنا وين صرنا”.

المتابعون، بدورهم، “جربوا نار الحيرة”، فوجدوا أن عمرواً من الناس يهاجم زيداً و”فانزات” كل منهما قد وقعوا في بعضهم البعض.. وكل منهم يؤيد الطرف الذي يتابعه دون تفكير. والنتيجة؟.. لا شيء.. تنتهي الحرب وينطفئ التريند ويعود كل يوتيوبر إلى منزله محملاً بآلاف المتابعين الجدد والكثير من الأرباح التي دخلت جيبه والشهرة التي زادته فخراً بنفسه وغروراً واعتداداً بأفكاره وتمسكاً بها!

ولكن كمتابع ما هي الفائدة التي عادت عليك من هذه الحرب؟ فقط رفد اليوتيوبرز بمزيد من المكاسب المادية والمعنوية.

بالمجمل، تعمل الشبكات الاجتماعية على مبدأ “فلنجعل من الحمقى مشاهير” لجذب شريحة أكبر من المُستخدمين، ومن ثم التغنّي بنمو نسبة الاستخدام السنوية أمام المُعلنين، فيصبح اليوتيوبر شحاذاً يستجدي “لايك” المتابعين و”جرسهم”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر