كل ما في الأمر أنني مشتاقة للمدينة

زينة شهلا

لسوء الحظ، وأحياناً ربما لحسن الحظ، أعجز عن تذكر الكثير من تفاصيل حياتي قبل العام 2011.

تتراءى لي في معظم الأحيان خطوط وملامح عريضة، ووجوه غاب معظمها اليوم، وذكريات يشوبها التشويش، وأشعر بامتياز ما لأني تمكنت من الاحتفاظ -داخل معمعة الحرب- ببعضِ ما يمكن أن يعينني على استرجاع تلك الحياة السحيقة في قدمها. فمثلاً، لا زالت لدي بعض من الكتابات التي لا تستهويني كثيراً إعادة قراءتها، لكنني اليوم أتمنى لو كانت أكثر.

لو كنت أعرف أننا سنعيش حرباً ستسلب معظم ذاكرتنا، لربما كنت دوّنت بكثافة أكبر.

إلى جانب ذلك، لديّ محفظة كبيرة بعض الشيء، فيها بطاقات حضور مئات العروض المسرحية والموسيقية، لا أدري لماذا كانت لدي هواية الإبقاء عليها وعدم رميها بعد كل عرض أو حفل أحضره، رغم مشاحناتي الدائمة مع أمي، التي كانت ترى فيها “كراكيب لا لزوم لها، ولا مكان لها في المنزل”.

كنت أهوى المسارح ودور العرض على اختلافها، وأشعر بسكينة غريبة بين زواياها، وأحب اقتناء كل ما يتعلق بها.

عملتُ عدة مرات كجزء من الطاقم الفني لبعض العروض المسرحية، وكانت أجمل الأيام تلك التي قضيتها بأكملها داخل المسرح، خاصة عندما يكون فارغاً تماماً من الحضور، رهيباً بصمته وصدى الصوت بين جدرانه.منذ فترة، وبعد حضوري لإحدى المسرحيات في دمشق، تذكّرت فجأة تلك الحقيبة القديمة، ودفعني الفضول لإخراجها من تحت أكوام الغبار، ولقضاء ساعات وأنا أتفحص محتوياتها.

مئات البطاقات والكتيّبات وبرامج الحفلات والمسرحيات، والتي يعود تاريخ أولها تقريباً إلى العام 1997، وأعتقد أنه العام الذي بدأتُ فيه بالاهتمام بهذه العروض، ويتركز كثير منها بين العامين 2000 و2011.

إلى جانب تلك البطاقات، وجدتُ قصاصات ورق صغيرة، كنتُ أكتب عليها فيما يبدو انطباعاتي بعد انتهاء كل عرض. شعرتُ بدغدغة جميلة في قلبي وأنا أقلّب أكوام الأوراق التي خرجتْ عنوةً من الحقيبة؛ وكيلا أنجرف في سيل من الحنين المؤذي، ذكّرت نفسي بأن كل ما تفعله قسوة الحاضر عادة، هو تجميل الماضي في أذهاننا. هي الذاكرة الانتقائية ليس إلا، والتي تنسينا كل ما هو قبيح، وتوهمنا بأن ما عشناه يوماً أفضل دون شك مما نعيشه الآن.

يوشوشني صوت دفين: “لا. ليست ذاكرة انتقائية. كانت فعلاً أياماً مختلفة. أتتحدثين عن المسرح؟ كنتِ فعلاً تستمتعين بما تقدمه لك خشبات المدينة، صغيرة كانت أو كبيرة، فخمة أو متواضعة. الموسيقا والحفلات؟ كانت لها نكهة مختلفة دون شك. كانت حقيقية.

أما اليوم فأنتِ مضطرة للبحث بالسراج والفتيلة عن أي متعة فنية، واجترار ما يقدم لك من عروض، كثير منها لا قيمة له سوى أنه الوحيد المتاح. يعني بالعامية: أحسن من ولا شي”.

أعادني كل ذلك لحديث دار منذ أشهر، عند زيارة صديق من لبنان لدمشق، وهي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماه المدينة بعد سنوات الحرب. لم ينفك ذلك الصديق يقول لنا باندهاش: “تبدو دمشق كمدينة لا تزال حبيسة ثمانينات أو تسعينات القرن الماضي. كل شيء قديم، ورمادي، وكأن الزمن توقف فيها عند لحظة معينة لم تعد بعدها عقارب الساعة قادرة على الدوران”.أثارتْ فضولَ ذلك الصديق “السياراتُ العجوز المتصابية” ـ إن جازت لي استعارة التشبيه من إحدى زميلات المهنة ـ والتي تسير مختالة في شوارعنا رغم أن عمر كثير منها يصل إلى ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة خلت، وأذهلته ملامح الحياة التي تنمّ عن قِدَمٍ لم يتوقع أن يشهده في عاصمة بلد ما ونحن في القرن الحادي والعشرين.أحزنتني تعليقاته.

أردتُ الدفاع أمام هذا الغريب عن مدينتي، وعن نفسي، وكأنه يوجه لي اتهاماً مباشراً. نظرتُ حولي أستنجد بزوايا المدينة كي تستلّ معي سيوف الدفاع من أغمادها، فلم أجد سوى مسرَحين بمقاعد متآكلة؛ وسينما أغلقت أبوابها، وأخرى يُكلف حضور الفيلم فيها للعائلة الواحدة ثلث الراتب الشهري لموظف حكومي؛ وبعض المقاهي التي ربما لا زالت على حالها، لكن معظم روادها رحلوا. لا أدري إن بدت لي المدينة قديمة كما قال، لكن، أيقنتُ للحظة ألا روح بين زواياها، ولا بريق في عيون أهلها.

طأطأت رأسي وأعدتُ أسلحتي الوهمية إلى مكانها. لأعترف بصوت مرتفع: أنا اليوم مشتاقة لدمشق، لشوارعها، ومسارحها، وحفلاتها، وموسيقاها، وممثليها وعازفيها وفنانيها. أنا مشتاقة لدمشق، بكل ما فيها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر