من الألف إلى الياء

براءة الطرن

خمسة زائد عشرة؟
تسأل معلمة الرياضيات، تستعجلني بينما أبحث عن يد ثالثة أضع على أصابعها ما تبقى من الأعداد، تمتشق عصاها، تضعني أمام خيارين لا ثالث لهما، أن أعرف الناتج أو آكله عصياً على يديّ جزاء ما اقترفتاه من جهل، وخطأ، أكلت العصي مِراراً، أكلت عصياً بعدد النواتج كلها، تلعثمت بمرار الأرقام، وكدت أختنق بمعادلة لا حل لها، تخلى عني العلم أول مرة.
“الجهاز التناسلي لدى الإنسان” تهمس معلمة العلوم بعنوان الدرس، تقرر تجاوزه، تجاوز خطة الوزارة، وتجاوز الطبيعة البشرية، معللة ذلك بقلة حياء الطلبة، وعدم استعدادهم لتلقي المعلومة، استبدلوها حين علموا بذلك (المعلمة وليس المعلومة)، ولتحافظ المعلمة الجديدة على منصبها جاءت بكل أسئلة الفحص من هذا الدرس، رسبتُ في المادة، تخلى عني العلم ثاني مرة.
“أنتِ عنصر غلاظة نشط” تحلل معلمة الكيمياء تفاعلاتي في الحصة قبل طردي منها، هي ذاتها تدرسنا الفيزياء، وبالتالي طردتني من الحصة الثانية أيضاً، تخلى عني العلم ثالث مرة.
رددت له الصاع بعدها، قررت دراسة الفرع الأدبي لسهولة الهرب من حصصه دون أن أثقل ضميري، وكاهل أبي بدروس خصوصية، تخليت عن العلم هذه المرة بنفسي، أصبحت المسافة بيننا في تزايد مستمر، تكبر أكثر فأكثر، لم أخجل من ذلك، لم أختبئ خلف معرفة زائفة، وأجبت بابتسامة “على قدّا” وأؤكد اهتماماتي العلمية “على قدّا” دون أن ألقي بالاً لمن يفهم أصل الأنواع، كل الأنواع، من وبخني على مساسي بالمقدسات العلمية، وعدم إلمامي بآخر التطورات.
ما هي العلوم بالنسبة لي؟ هي الهندسة الوراثية التي لم تمنع شعري من التساقط، وأظافري من التكسّر.
الاقتصاد، الرياضيات، والمحاسبة التي لم تساعد راتبي على البقاء حتى آخر الشهر.
الاتصالات، التقانة، والتكنولوجيا التي لم تسعفني في إطفاء الشوق لرائحة أخي المهاجر.
الطب، السيكولوجيا، علم النفس الذي لم يمنع الكوابيس عني، ولم يوقف ركضي في أحلامي هرباً من قذيفة، أو قناص.
أي علمٍ اهتم لأحلامي البسيطة التي لم يكتشفها أحد، أحلامي التي لم تنتصر حين انتصر العلم، لتأرجحي على خط الفقر في بلد يتأرجح على خط الحياة؟، يطالبني الجميع بوقاحة تفوق وقاحتي بأن أكون مواكبة للعلم، وخاتمة للفهم وأنا أعيش حياةً “لا تفك الحرف”.
كيف أصفق لحدث التقاط صورة الثقب الأسود، وأنا أعيش فيه منذ ولدت؟
لم عليّ أن ألقي بالاً لهندسة الكهرباء، وأنا التي شمل التقنين ثلثي حياتي؟
ما الذي يدفعني للاهتمام بالجيولوجيا وأنا التي ترتبط عندي كلمتي “ثروات ولصوص” كشفرتي المقص؟
ما الذي سأفعله بالميكانيك وأقصى ما احتاجه منها ميكرو مزة جبل؟ وبالذكاء الصناعي اذا كان الانترنت شبه مقطوع؟
لماذا أفهم العلوم البيئية وأهلّل للغابات، لرئة العالم، بينما أعيش في مؤخرته؟

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر