الجماعات حين تأتي فرادى..

د. ناريمان عامر

سأبدأ معك من النهاية، أنت تقرأني الآن وأنت فردٌ مطلق، ربما لا تكون النهاية، فقد تراها بدايةٍ لشيء ما، أو ربما متن موضوع ما، ربما لا تكون شيئاً بكل بساطة، وأنها طريقتك في الحياة فحسب.
تفتنك الـ ربما هنا ذلك أنها لا تقيّدك بجزمٍ للأمور، تطلق الحرية لكل الخيارات.
يسجل التاريخ مشهداً يكون فيه أبيقور مختبئاً وراء أكمة يتابع السيد أفلاطون، وفيما كان أبيقور ينتقد صاحب المذهب الذي اتبعه ملايين البشر لمئات من السنين، ألّف مئات الكتب منغاظاً من تلك الأنا الأفلاطونية التي فيما كانت تزهو بذاتها، وتتغنى بفرادتها، وتؤسس لفن الخطابة كانت في الوقت نفسه تلم شيعتها، تسور مجموعتها تحدد صنوف البشر، ومعادن الناس، هذه الأنا المتفردة، كانت تعمر المدينة الفاضلة، وتضع لبنات تحديد المنطق السليم، تعلم القادة، وتجترئ على الفهم العام.
تنبه أبيقور بحس الخارج عن السرب وغيظ العقل المشاكس إلى الأثر الذي سيحدثه أفلاطون، إلى المجموعات التي ستلحق بركبه، خالف كل نظرات الإعجاب وتجاوز كل الأطروحات المؤيدة للأفلاطونية، ليدافع عن نمطه، ليدافع عن الفرد خارج الإطار، فهجا سماء أفلاطون ومُثله، وردها إلى تصورات غير واقعية، وأكد أن الانسان ابن الطبيعة وأن اللذة هي المتعة بما نحس، لقد قال بالعيش وفقاً للطبيعة. لكن هل كان الانسان غير ذلك قبل الفلسفة؟ لماذا غيّر عيشه؟
بعد موت أبيقور بمدة غير قصيرة انتشر المذهب الأبيقوري في أثينا وبلاد بعيدة عنها، إذ كانت هذه الأفكار حاجة ملحة للعديد من الأفراد ممن دعوا لاحقاً بالأبيقوريين!
إذاً نحن أمام مشهد جدلي مثير؛ فالأنا الأفلاطونية المتفردة أسست لنظم الجماعات وفق مبدأي الخير والشر المنتمين لعالم المثل السماوي غير الملموس، واحتفت بالتنظيم بينما قالت الأنا الأبيقورية المتفردة أيضاً بضرورة العيش وفقاً للذة فلا شيء خارجها، هي الخير والشر هو الألم. ومقياس الخير والشر فردي يحدده الفرد وهو مقياس أرضي يلبي الرغبات. إذاً نحن أولاً أمام نوعين من الآنا، وثانياً أمام تفرد مشترك بينهما، أنا أفلاطونية خارجة عن جماعتها تعي أنها تخط حدود جماعة جديدة وتدعو إليها، وأنا أبيقورية تدعو للخروج عن الجماعة عبر بوابة اللذة الفردية.
سيظهر نيتشه ليوبخ الرواقيين الذين طالبوا بالعيش وفق الطبيعة، ويقول: العيش وفق الطبيعة؟ هل بوسعكم ألا تفعلوا؟ إن ما تدعون إليه هو العيش وفق الطبيعة كما ترونها أنتم، كبرياءكم يريد أن يُملي على الطبيعة أخلاقكم، غروركم وصلفكم جعلكم تعتقدون أن الطبيعة ستدعكم تستبدون بها كما تفعلون مع ذواتكم، أنتم، نعم أنتم، دققوا جيداً بأنفسكم كم تستبدون بذواتكم لتصيغوها على شاكلة الطبيعة كما ترونها!! نعم هذا قول صاحب نظرية الانسان المتفوق!!
ستجد في مكان ما من يشّبه الجماعات بالقطعان، وخصوصيتها بخصوصيّة الحشرات، وستكون الفردانية كمن يحلق عالياً مثل الطيور، وأيضاً ستجد من يرد أن الحشرات غير المنظمة مآلها مآل الصراصير كل على هواه، يمكن أن نسقط عليها قيمنا الانسانية ونقول أنها مشتتة شاردة، تثير غضبنا وقرفنا أيضاً بينما الحشرات المنظمة كالنحل مثلاً نعجب بتقانتها ونتاجها. الحشرات تنتج الحريروالعسل أيضاً!
ضبابيةٌ ما تلف كل ما سبق، أشعر معك أنّه كلامٌ غير منسجم، مفكك، لا يوضح إلى أين تأخذنا هذه السطور، لكنه طريقة خاصة في التعبير عما يجول في الذات المتفردة، وإن نافر قليلاً القواعد التي توافقت عليها الجماعة إذا ما أراد أحد أفرادها مخاطبة باقي أعضاء الجماعة.
سأعترف إني أحاول ـ عبر ركاكة مفتعلة ـ أن أدلل لك هنا، أن الخروج عن النمط وقوانين الجماعة أسمه نشاز، ولطالما حاربت الجماعات الفردانية خوفاً على عقدها من الانفراط، تخيل معي أنك تقرأ نصوصاً تشبه السطور السابقة، وأنه بدعوى الفردانية يحق لكل منا أن يفعل ما يشاء، تخيل معي لو لم يكن هناك المعيار! نتفق أنا وأنت الآن على أن ما سبق ركيك وغير مؤتلف؟ إذاً يبدو أنك من جماعتي، سنتفق ثانية أن الفردانية التي جربتها هي فردانية هشة، نعم هي كذلك، هل توافق معي أن نعود إلى الإطار لنقول ما نريد بكلماتٍ ومنهج توافقنا عليه سلفا؟ هيّا..
تبدو إشكالية الجماعة والفرد إشكالية قديمة، وستبقى ملازمة للفكر البشري، فالانسان اجتماعي بطبعه، ولا يستطيع العيش إلا في جماعة، لكن تطور النوع الإنساني- كما التطور لدى جميع الأنواع- يحتم التطور الجيني، وأيضاً “الميمي”، التطور الجيني الذي يكتسبه بانتقال المجموعات وترحالها ومواجهتها للشروط الطيعية والبيئية، والميمات التي تتطور بتطور الأنساق المعرفية التي تفرضها ضرورة تطور المجتمعات، في كلا الحالين تحدث طفرة جينية أو ميمية حين يتيهئ الظرف لدى فردٍ ما ليشب عن الطوق ويخرج من الإطار، تلتحق به كل جينة أو ميمة لديها قابلية للتطور، لا تنجح تلك الطفرة إلا إذا كانت محمولة على أنا جسمانية ونفسية، إن التفرد كما الجنون، قد يحيل إلى مصحة عقلية أو إلى الخلود في التاريخ، وربما كليهما، وما كان للجماعة أن تتطور دون بروز أفراد كشافة خرجوا عن المألوف، وسلكوا معابر جديدة، ولكل معبرٍ مخاطره، لكن ما من جماعة متينة إلا وأنتجت أفراداً طوروها، وما من أنا فذّة إلا وغيّرت من حولها.
يبقى أن نقول أن الجماعات الأصيلة تشجع الفردانية لعلمها أن البقاء للأصلح، وأن السخيف منها ستذروه الرياح فهذا من طبائع الأشياء.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر