عن محمد علي والسيسي: خناقة الفلوس والصور

حتى يوم 2 سبتمبر 2019، كان المعروف عن محمد علي محاولاته في التمثيل، التي جعلت منه شخصًا معروف على خفيف. ملامحه  قريبة من ملامح الفنان آسر ياسين، يحب الأحصنة مثل الفنان أحمد السقا، ويتصور مع سيارته الفارهة مثل الفنان محمد رمضان، لكن كل ذلك لم يجعل منه بطل صف أول، حتى عندما غامر وأنتج فيلمًا لنفسه اسمه البر الثاني، خسر فيه 27 مليون جنيه، وأهداه للقنوات مجانًا، ولا يتذكره أحد.

لكن في 2 سبتمبر، سيغدو ملء السمع والبصر فجأة، ليصبح كل ما أنجزه في حياته كوم وما فعله يوم 2 سبتمبر كوم آخر، دون أن يضطر لصرف 27 مليون جنيه ودون الاستعانة بمخرج أو مونتير ودون كاميرا بروفيشنال حتى. نزّل فيديو على حسابه الخاص على فيس بوك ليطالب الدولة المصرية بفلوسه، الـ 220 مليون جنيه، مستحقات عليهم، من المشاريع التي تعاونوا معه فيها، بصفته صاحب شركة مقاولات، تلاه فيديوهات أخرى تحت عنوان «فضح فساد نخبة الجيش، ورأس الدولة المصرية»، بحديث مفصل عن البذخ الذي كان شاهد عيان عليه بوصفه كان مكلفًا بتنفيذ هذه المشاريع.

التوغل في فيديوهات محمد علي يشبه التوغّل في حقل ألغام، لا تعرف من أين ستأتيك المفاجآة، ولكنها بالتأكيد ستأتي، من خلفك أو من جوارك، بدون مقدمات استطرادية وتمهيدات مملة، بلوت تويسات ستبقيك مشدودًا أمامه، فهو في النهاية، ليس مقاولًا عاديًا في منتصف أربعيناته، غير أليف مع أبعاد السوشيال ميديا، ليطل علينا بكرش ولغد وشنب ليبرطم بكلمتين والسلام لقائمة متابعيه على فيس بوك، لكنه رجل يعرف كيف يخطف الكاميرا، وكيف يعمل لقطة صح. بدأ أول فيديو له بقوله «معلش اعذروني أنا طول عمري بفصل موضوع المقاولات عن الفن لكن هم اللي اضطروني أعمل كده».

دَكر ابن لقطة

الشخصية التي ظهر بها محمد على في فيديوهاته شخصية دكر حواري، ابن سوق، راجل نزهي، فنجري، برنس في نفسه، متدفي وبيحب الفلوس، وفي الوقت نفسه شاب جيم، شبح صايع، مرقع، عيل لبط، عربجي، وعند اللزوم بلطجي. تحمل فيديوهاته درجة كاريزما معينة لا تتوافر، للأسف، في تمثيله. يتكلم بالعين والحاجب، ويعرف كيف يهاي لايت جيدًا الحتت السكسي التي يعرف أنها ستأكل. يشخر ويشتم ويسجر، عينه ليست مكسورة، ومحدش لاوي دراعه، يتكلم ويتحرك بلا تنميق ولا تزويق، ويمسك قلم في يده ليشخبط به وهو يتكلم «معلش بحب أشخبط وأنا بتكلم»، يدخن من حين لآخر وينفخ الدخان في وش الكاميرا، ويستخدم قدراته التمثيلية في إضفاء المقدار الكافي من التشويق والانفعال على المشهد. يظهر في الفيديو الأول بقميص أسود مفتوح يظهر شعر صدره، بجواره علبة سجائره ووراءه شباك يطل على البحر. هيئته العامة مخلصة لذوق شباب أول الألفية، في تلك المرحلة المائعة، التي تلي إنهائهم التعليم الجامعي وأول امتهانهم للوظيفة وقبل الانخراط في تكوين أسرة، ذلك اللوك المُختال بذكورته فيسير الشاب ممعنًا في إبرازها بقميص ضيق يبرز مفاتنه، وغير ذلك من إكسسوارات كعلبة سجائر في يده غالبًا تكون مارلبورو أحمر أو إل إم أزرق، ومعها ميدالية مفاتيح بها مفاتيح كثيرة تصنع جلبة عندما يرميها أمامه على طاولة الكافيه الذي غالبًا سيكون في المهندسين، قبل أن يطلب شيشة.

بخلاف كونه دكر صاحب رحلة صعود طبقية، فعلي رجل ابن لقطة، مشغول بصناعة وتقديم نفسه كصورة. اشتغل بالتمثيل بمعناه الفعلي، وأصبح ممثلًا، يعلّق في بيته لوحة مرسومة له مرتديًا الزي الفرعوني، وجزء مهم من صناعة صورته قادم من استحضار رمز «الفرعون». يشارك منشورات عديدة على فيس بوك توثق رحلة نجاحه في أوروبا، ويذيلها بتعليق «رحلة تصاعد الفرعون في أوروبا». يؤسس مشروعًا في أسبانيا اسمه «الهرم الرابع» والذي بدوره عبارة عن لقطة كبيرة، فهو مشروع منارة ثقافية كما يقول علي، بمشاركة رجال أعمال أسبان تزين صوره معهم صفحته، يزور معبدًا به آثارًا فرعونية في أسبانيا ويتصور مع السياح. وعندما شارك فيلمه في مهرجان القاهرة السينمائي، لم يمر حضوره بشكل عادي، لكنه قصد أن يكون لافتًا، فحضر بسيارة فارهة وببودي جاردات تحرسه. بخلاف ذلك هو يهتم بتوثيق حضوره على السوشيال ميديا كصاحب رسالة، ينشر صوره وهو يتسلم جائزة السلام من هيئة «لوكسمبورج للسلام» عن فيلمه البر الثاني.

صور له وهو يتسلم جائزة السلام

خناقة فلوس وصور

هذا البروفايل لا يتماشى مع نموذج البطل الشريف الفقير المغلوب على أمره، الذي دخل عش الدبابير فصدم من هول الفساد، فخرج ليقول كلمة حق في وجه الظالم، ما سبّب ارتباكًا للكثيرين في استقبال فيديوهاته. فهو ليس فقيرًا شريفًا بل رجلًا غنيًا، غني جدًا الحقيقة، يتصور مع العربية الفيراري، وينتج أفلامًا بمبالغ كبيرة ويخسرها عادي، ويخبر متابعيه أنه اشترى فيللا وعربيتين في أسبانيا حتى لا يشعر أولاده بتغير في مستوى المعيشة، وباع فيللا لمحمد رمضان بأقل من ثمنها مجاملة لزميل، فوق كل ذلك والأهم أن مصدر رزقه أساسًا أنه عمل مع الجيش 15 عامًا استرزق منهم وأصبح غنيًا، وعندما قرصوه، قرر يعمل نِمرة، وعندما عملها كانت الخناقة «خناقة فلوس» صرف.

بالفعل محمد علي ليس النموذج الكلاسيكي للبطل الشريف الفقير المغلوب على أمره، وليس نموذجًا للأفندي المتعلم المثقف الذي يواجه سلطة غاشمة، فالخطاب الذي توجّه به وأكل مع قاعدة واسعة من الناس منتمي للحظة مختلفة جديدة بنت واقع جديد، ويحمل أهمية خاصة كونه أحدث قطيعة مع أحد أهم خطابات الأبطال الأخيار في التيار الرئيسي للدراما المصرية بنت دولة 52: إحنا ناس غلابة صحيح بس عايشين بشرفنا، أي خطاب الشرف بوصفه تصبيرة وعزاء طبقي وتضامن، وهو خطاب دفعت فيه دولة يوليو بقوة،  بوصفه ضمانة للانضباط المجتمعي، وبالتالي للانضباط الطبقي، وكُرست له مئات الأفلام والمسلسلات، ووُكّلت إليه مهمة إدارة النقاش العام عن الصراع الطبقي، من حيث تحويل جوهره فلا يغدو صراعًا طبقيًا وإنما صراعًا أخلاقيًا أو رمزيًا، حيث يُستبدل محور الخناقة المادي ليصبح رمزيًا. لكن خناقة محمد علي خناقة علَى فلوس حقيقية: «هاتوا فلوسي»، وهي خناقة تستبطن استحقاقًا للثروة، ولا تعتبر الرضا اختيارًا مطروح.

في الصراع الأخلاقي الذي أصله صراع طبقي يكون العزاء أن: الفلوس مش كل حاجة، وفي المعالجات الدرامية الكلاسيكية، توضع الأخلاق مقابل الفلوس، والمواطن الشريف الفقير مقابل الغني الفاسد، في إطار قصة تنتصر للأخلاق وغيرها من قيم الانضباط المكونة للعقد الاجتماعي. في هذا النوع من الصراعات، تكون عدلة ميزان الكون مرهونة بأن يظل البطل الفقير راضيًا عن موقعه الطبقي، لذا ارتبط خطاب الشرف بمفهوم الرضا: شيل فلوسك يا بيه، إحنا ناس على قد حالنا صحيح بس كفاية إننا بنام مرتاحين بالليل.

ووصل هذا الارتباط ذروته بتصاعده في مرحلة الثمانينيات، بعد الانفتاح، ووصوله إلى الربط الشرطي بين محاولات رفع مستوى المعيشة، وبين ضياع القيم الأخلاقية، والذي رُبط بدوره بالانسلاخ من خطي التعليم والوظيفة الرسميين التابعين للدولة، ومُرر هذا دراميًا في إطار مناهضة نمو ثقافة الاستهلاك والمظاهر، وحالة امتعاض من سياسات انفتاح السادات، التي هددت رسوخ الطبقة الوسطى الكلاسيكية.

في هذه المرحلة، كُرس خطاب الشرف لطمأنة الطبقة الوسطى الكلاسيكية. يتعرّض البطل لإغراءات وضغوطات كثيرة تضعه بين اختيار التطلع الطبقي وبالتالي أن يتنازل عن شرفه ويخضع لإغراءات نجوم المرحلة من الطبقة الأقل محدثي الثراء تجار الشنطة والمقاولين والسماسرة والمشتغلين بالاستيراد والتصدير. في «البيه البواب» نتابع كيف تحوّل فؤاد المهندس من الموظف المحترم في سلك الدولة لمساعد لأحمد زكي البواب الذي عمل مقاولًا، قبل أن ينعدل الميزان في النهاية، ويعود البواب لمهنته ويضرب تعظيم سلام للموظف.

حتى عندما قدم عادل إمام نموذجًا للبطل الشعبي، والذي ليس غلبان أو عينه ليست مكسورة فهو فقير آه لكنه معجباني وفهلوي ونُزهي؛ ظلّت الصراعات التي يخوضها غير معنية للنهاية بتحقيق الثراء، بل معنية بطرح نفسه كجزء من اللعبة، وظلت في أحيان كثيرة مخلصة لفكرة الرضا بالفقر والتغزّل في جمالياته. لم يقدم صورة البلطجي بل لعب على الخط الفاصل بين شهامة ولاد البلد وبين مستلزمات الخيلاء الذكوري.

بعد 2011، حدث استقطاب حاد، ناتج من الإحساس بعدم الاستقرار، فانشغلت كل نوعية أفلام بمخاطبة جمهور محدد، على حسب طبقته أو شريحته الثقافية، ما أسفر عن تحول نوعي في نموذج البطل الدرامي بشكل عام، فانشعل السبكي بتقديم أفلام للطبقة الشعبية، وقدّم معه رمضان نموذج للبطل الشعبي «الشبح»، يعبر عن شريحة خارج الدولة وخارج طبقاتها المرتبة، ويناسب لحظة قلقة لطبقة تدافع عن نفسها في سياق متغير وغير مستقر. تجاوز «الشبح» نموذج إمام للبطل الشعبي غير الغلبان، بأن أفسح مكانًا أكبر لاستعراضات ذكورية، تمرر عادية فكرة استخدام القوة في فرض النفس دون امتعاض. في هذه الأفلام الرضا بالموقع الطبقي لا يعني الاستكانة، ولكن يعني الاحتفاء بالممارسات المعبرة عن الطبقة، وبات يعني استرداد الحق بقوة البلطجة إن لزم الأمر، وذلك في أفلام مثل «عبده موتة» و«قلب الأسد»، وهو ما مثّل إلى حد ما فكاكًا وتحرّرًا من فكرة الفقير الطيب المُسالم المتعلم إلى الفقير المخربش اللي يعرف يجيب حقه بدراعه.

لكن بعد 2013 أُضيفت تفصيلة جديدة محورية لهذا الانقلاب، فالبطل الشعبي الفقير غير راضٍ عن فقره ويحاول جاهدًا أن يصير غنيًا. وأصبح لا يهم كيفية رحلة الصعود، فليس ضروريًا أن تكون على طريقة «اتقدم اتقدم» في النمر الأسود لأحمد ذكي، والتي يصعد فيها البطل بكفاحه ليقدم نموذج إيجابي للشباب، بل باتت هناك درجة تسامح غير مسبوقة مع الصعود بالطرق غير المشروعة، أو بالأحرى عدم اكتراث، وهو النموذج الذي قدمه أيضًا محمد رمضان في مسلسلات كالأسطورة، أصبح البطل عينه مكشوفة، لا يخجل من الرغبة في الثراء أو في إظهار النعمة عليه، لأنه يعتبر ذلك نجاحًا وقوة.

أيضًا هو بطل مشغول بالاستعراض، استعراض ثرائه فيتصور بجوار سيارته الجديدة وفي الفيللا الكبيرة، أو استعراض ذكورته، بوصفها حالة استعراضية للقوة، فهو مشبع بطاقة دَكرنة تجعله يشيل ويهبد ويكسّر ويرزّع. ورغم أن هذا النموذج كان يخاطب جمهورًا بعينه، إلا أن جمالياته خرجت من كونها ممارسة ثقافية مغلقة لفرض نفسها على الذوق العام، وحتى على منافسيها، ومحاولتهم استنساخ جماليتها في أعمال تخاطب طبقات أخرى.

في فيديوهاته قدّم محمد علي نموذجًا للبطل على طريقة «الأسطورة»، يستخدم كثيرًا في تسويق نفسه على السوشيال ميديا كلمة «التصاعد»: رحلة تصاعد الفرعون المصري في الخارج. شاب من الطبقة الشعبية، صعد من الصفر، جاب القرش من بطن السبع، لم يدخل ثانوية عامة ولم يكمل تعليمه الجامعي، اشتغل مع الجيش 15 عامًا إلى أن أصبح مليونيرًا. يفخر بثرائه ويشتري الفيراري ويصور فيديو وهو يجري بها ويطرطش المياه. يتصور مع الحصان، ويغمر فيس بوكه بصور أنيقة له وهو يجلس في استراحة منزله أو يتناول القهوة مرتديًا بدلة شيك. من ناحية أخرى هو دكر شاب، جسمه مشدود، يشخر ويشتم ويسجر ويرينا شعر صدره ويعلي صوته في الفيديو كأنه في عركة. وعندما تُسرب له فيديوهات مع بنات في النوادي الليلية أو وهو يحتضن فتاة في كافيه تقول له بعربية مكسرة بحبك يا محمد؛ لا يزيده هذا في نظر متابعيه إلا إعجابًا. في فيديوهاته يشتم بأريحية ويضرب عرض الحائط بالأكواد الأدبية المتعارف عليها للظهور في الميديا.

 «طبعًا أنت مخضوض وبتقول مين اللي بيتكلم. أنت عندك دلوقتي مشكلة، أصل أنا لا ليبرالي ولا إخواني لا علماني: أنا شعبي» (الفيديو الثالث-4 سبتمبر 2019).

محمد علي هو ابن عالم ما بعد 2013، عالم الصراعات المكشوفة وانهيار الوسائط الرمزية، وعندما دخل في خناقة فلوس قال «أنا عاوز فلوسي»، لا يرى في خطاب الشرف عزاء وحكمة، بل يريد فلوسه التي ليس مهمًا هنا كيف حصل عليها، هو يريد حقه من الثروة، ولا تأكل معه المعزيات الرمزية، وفي الوقت نفسه هو غير مقتنع أن مكانته الطبقية ومعاناته المادية قدر من الله لابد أن يرضى به. وعندما تعرّض لقرصة وحدث خلاف مالي بينه وبين قيادات الدولة، لم يسكت وقرر يعمل لهم نِمرة بيشلّق لرئيس الجمهورية، ندًا بند.

ورغم أنه في فيديوهاته استخدم بدوره خطاب الشرف، كمرجع تحكيمي، بينه وبين الخصم: أنت لست شريفًا، ولكن تخلصت الخناقة من رمزيتها، بالتالي لم يحوّل جوهرها لصراع أخلاقي أو رمزي. لم يتوسط رمز بينه وبين مطلب الفلوس.

أيضًا لم يهتم بتقديم نموذج البطل الأخلاقي المتعلم الأفندي، بل باتت الأخلاق مسألة هامشية تمامًا الآن، لا يهم هل يمشي مع ستات ولا لأ، هل هو متعلّم وابن ناس ولا لأ؟ هل كل ذلك لم يعد هامًا، ولم يحاول هو حتى افتعاله. والعُملة التي نتعامل بها ليست عملة أخلاقية: صدق الحب مثلًا، ولكن العملة في هذا الصراع هي عُملة الجنيه، والخنافة خناقة فلوس، تناسب انهيار التمثيليات الرمزية لوجود الدولة، من منافسين وممارسات سياسية حتى لو شكلية.

 في الفيديوهات، لم يكن خطاب الشرف خطابًا للعزاء: نحن راضون لأننا شرفاء، ولكنه أصبح خطابًا للاستحقاق: أنتم لستم شرفاء، لأنكم تسرقون «أموالنا»، نحن نستحق هذه  الأموال. لم تُستنكر مظاهر الثراء والغني، بل جرى التعامل معها كمظاهر مشروعة ومستحقة.

من ناحية أخرى، حوّل محمد علي صراعه الشخصي لصراع أمام سلطة غاشمة، لكن لم يكن على طريقة عادل إمام في «المنسي» أو «اللعب مع الكبار» موظف غلبان بيعمل نمرة شَرف وبيرجع مكانه تاني، لكن في جوهر خطابه هو صراع انتقام طبقي: أكل الأغنياء الفاسدون حقه ويريد استرجاعه، على طريقة محمد رمضان أيضًا في «زلزال» (2019)، حين أكل العمدة ماجد المصري وِرث أبيه.

عركة الصور

قدّم محمد علي لجمهوره مسلسلًا مستخدمًا سيناريو «الفضيحة» في تجريس الخصم (بتقرف قوي تنام على سرير سوزان/ طلبت تعديلات بـ25 مليون جنيه/ دفن أمه بفلوسي) وهو السيناريو المنطقي المضاد ضد خصم يصف نفسه بالشريف. فخطاب الشرف والأخلاق يخبىء شيئًا وراءه، ولا يجدي معه إلا الفضيحة.

 في فيديوهات محمد علي لم يتحوّل جوهر الصراع المادي لصراع أخلاقي، أخذ الصراع شكلًا طبقيًا لكن بشكل جديد، مختلف عن شكل الصراع الطبقي-الأخلاقي العادي. اللحظة ليست فقط لحظة صراعات مكشوفة، ولكنها لحظة صراعات صور بين الخصوم. تقدّم كل طبقة/ خصم صورة معينّة عن نفسها، يتراشقون بها، صراع تمثيلي في بُعد منه، بمعنييه السياسي والفني. صراع صور بين ممثل عن طبقة معينة وبين ممثل عن الخصم الآخر/ الغني/ السلطة.

محمد علي ليس قائد النضال الشعبي أو الطبقي، ولكنه قدّم صورة تحبها الطبقة الشعبية، مثل التي قدمها رمضان في الأسطورة. هو ليس ممثلًا للشعب، هو لا يقدّم صورة تعبر عنهم بالضرورة، ولكنه ممثل للصورة التي يعجبون بها، وإذا كانت المعركة الآن معركة صور فهم يحبون أن يخوضوا المعركة بهذه الصورة. يقدّم علي خناقته مع السيسي بوصفها تمثيلية شعبية، يمثل علِي الطبقة الشعبية ويمثل الرئيس الخصم الغني الفاسد.

قدمت خناقة المقاول والرئيس بمنطق الصراع الشخصي، راجل لراجل في قلب حارة، خناقة بين دكرين، بوصف الدَكرنة حالة صور استعراضية في المقام الأول. يقدّم علي نفسه بوصفه الدكر الشعبي مقابل صورة السيسي كدكر منحنح. علي هو صورة للدكر الشعبي الشبح ما بعد 2013، والسيسي هو صورة لنموذج رجل دولة يوليو.

«حاجات كتيرة بنقراها شعارات، وفجأة الموضوع غير كده بقى، عايزين نتكلم قدام الشعب والناس تسمعنا، وخليك راحل محترم، وراجل لراجل، الله، ما أنت مش راجل، بتزعق ليه وأنت ماسك المايك» (محمد علي مخاطبًا السيسي في فيديو بتاريخ 4 سبتمبر 2019)

تستموت دولة السيسي في تقديم نفسها كرمز نهائي لدولة 23 يوليو، نقطة البلورة النهائية، والمفارقة- أو لأن- هذا يأتي في أكثر النقاط هشاشة في المنحنى الرمزي لها، في أكثر لحظاتها عريًا وجفافًا وحدة، وفقدانًا للقيمة الرمزية. لا تعرف غير أنها تُريد السلطة في شكلها البدائي، ليتخلص الصراع على السُلطة بدوره من الكثير من ثقله الرمزي السياسي، ليُصبح انشغال من هم موجودون في أعلى سلم السلطة انشغالًا بدائيًا بحتًا بالاستفادة قدر الإمكان من امتيازات الوضع الحالية بأكبر قدر من المصالح، وبالاستحواذ على أكبر قدر من الثروة، وبسرعة، لذا فإن السلطة لم تعد مجرد سلطة سياسية ولكنها أصبحت الطبقة الغنية بمعناها الحاف، وليس معهم طائفة أخرى من رجال أعمال، هي فقط من توزّع الثروة، ما جعل منطق صراعاتها صراعات مصالح مكشوفة، ما جعلها في الوقت نفسه تفرض منطق اللعبة المضادة لها.

في نفس الوقت تستخدم خطاب الشرف في نسخته الأخلاقية كمعزي للمشاهدين/الشعب/الطبقات غير الحاكمة: «إحنا فقرا قوي بس مصر أم الدنيا»، محاولة تخليص الصراع من ماديته، لكن في عالم الصراعات المكشوفة، وفي لحظة احتدادها، لم تعد تُجدي تلك الحيلة الدرامية.

ولأن الأخلاق مهووسة بدورها بالتمثيل والصورة، ولأن خطاب الشرف ليس خطابًا واقعيًا وإنما خطاب مهووس بتمثيل صورة معيّنة، فدولة 3 يوليو مهووسة بصناعة أكبر قدر من اللقطات، فهي دولة التمثيل في صورتها الأبرز، دولة اعتبرت 25 يناير لقطة، فعملت لقطة 30 يونيو على شاكلتها، وكل إنجازاتها عبارة عن لقطات تطمح في الإبهار. بنت قناة سويس «جديدة»، عاصمة إدارية جديدة، ومدنا جديدة، تصنع مؤتمرات شباب تستمر بالأيام، ليقدم «صورة مشرفة عن شباب مصر»، يطيح بالإعلاميين القدامى، ليقدم إعلاميين متعلمين نضاف.

نظام السيسي ليس مهووسًا فقط بصناعة لقطات، ولكنه مهووس بأن تكون تلك اللقطات منضبطة، وكيف تُضبط الصورة إذا لم نضبطها نحن. سيطرت دولة السيسي على الصورة بمعناها الحرفي والمجازي، على سوق الإعلام والتلفزيون والسينما والدراما، لأنها قررت أن تمتلك الصورة كلها. استولت مخابراتها الحربية على شركة «إعلام المصريين» التي بلعت معظم الإنتاج الدرامي الحالي، اشترت القنوات الفضائية الخاصة، أغلقت الصحف، حجبت الكثير من المواقع الإلكترونية بما فيها هذا الموقع الذي تقرأ عليه هذا المقال الآن. ورئيس الدولة بدوره مشغول ومخلص للنهاية بصنع صورة معينة ويتقمص أداء بطل درامي من النوع المفضل لدولة يوليو، فقير (قعدت 8 سنين مفيش في تلاجتي غير إزازة مية)، شريف (هو أنا ببني القصور دي لنفسي دي لمصر) متعلّم (أهم حاجة التعليم) موظف. استنسخ الرئيس البطل الدرامي المفضل لدولة 23 يوليو في خطاباته (ابنكم شريف أمين مخلص)، لكن اللحظة ليست هي اللحظة.

«مصر بتطلع لي.. ياعم أنت بتمثل، لو عاوز تمثل إعمل زيي، ما أنا كنت مقاول ورحت مثلت، وشوف بقى لو فيه منتج عايز يمضي لك عقد، تشتغل ما تشتغلش، لكن أنت قاعد طول النهار بتمثل بالمايك، مرة تعمل لنا دراما، ومرة تعمل أكشن، وتيجي قدام الخواجات والأجانب لامؤاخذة تبقى عامل زي اللامؤاخذة هقول إيه. ده عندنا بنات في الحتت الشعبية تفشخك» . (محمد علي مخاطبًا السيسي)

 هي لحظة وصل فيها صراع الصور لطور جديد، لمرحلة الصور فوق الواقعية، تتخلص الصور من كونها مجرد نسخة عن الواقع، لكونها تحاكي الواقع لتعيد إنتاجه مرة أخرى، وتصبح فاعلًا فيه. تكون الصورة الناجحة متخففة من التنميق التلفزيوني، لأن الهدف أن نحاكي الواقع، لذا يكسب  الفيديو اللايف، وتنجح صورة محمد علي، ليس فقط لأن خطابه كان مكشوفًا وغير رمزي، لكن لأنه قدّم صورة لايف تقدم نفسها بوصفها محاكاة الحقيقة. السيسي ما زال يعيش في عصر الصور بمعناها القديم، الصورة النُسخة، وبها يقدم صورة «مشرفة» عن نفسه وعن الدولة والشباب، صورة مهندمة. أما محمد علي فهو ممثل عن صورة تبدو واقعية.

«ولا همنتج ولا هعمل إديت ولا لي في الأفلام البلدي دي. أنا راجل بتكلم بطبيعتي كده، من العجوزة وشعبي وشبه الناس» (الفيديو الأول- يوم 2 سبتمبر 2019).

في صراع الصور فوق الواقعية، تنهار الخطوط بين ما يحدث بالفعل وبين ما لا يحدث، وبالتالي تُفتقد معها القدرة على التمييز بين الواقع وبين التخيلات. نحن لا نعرف بالتأكيد ماذا يحدث، مع أننا نشعر أن هناك شيئًا يحدث.

صعد محمد علي خطابه من شخصي لعام، ليست فلوسي فقط ولكن فلوس البلد، أنتج صورة بطل درامي واقعي، لكنه طالب الجمهور بأن يشتركوا معه في دور البطولة، أن يدخلوا لقلب المشهد، ودخلوا.

في النهاية فالمقابلات الثنائية الدرامية في قصة المقاول المنشق ودولة السيسي مباشرة وساذجة ومضحكة، ولولا أنها تحدث بالفعل لوُصفت بالتقفيل الرخيص للفيلم. سيطرت الدولة على كل منافذ الصورة فخرج لها العفريت من الفيس بوك. انشغلت بضبط الصورة فخرج لها فيديو لايف بكاميرا غير محترفة وبكلام منمق. اختارت خطاب الشرف الميلودرامي كخطابها الرمزي الأساسي فلم يناسبها إلا سيناريو الفضيحة. عملت كسمسار عمراني ومنتج فني ورئيسها رجل يحب التمثيل (إنت عاوز تشتغل فنان؟- يقول محمد علي مخاطبًا السيسي) كان من الطبيعي أن يُربكها مقاول ممثل دراما من الصف الثاني. دولة بنت نفسها على صناعة اللقطات فكان من الطبيعي أن من يربكها رجل ابن لقطة.

ليلى أرمن – موقع  مدى

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر