أن تظلم آخرين إذ تقرأ كتاباً!

“بسطة فكتوريا ليست مكتبة الإسكندرية في النهاية. عناوينها محدودة ومعظمها يتوزع، أصلاً، على خمسة أو ستة مؤلفين طُوبوا، بفضل مزاج البائع وحده، على أنهم الأكثر شهرة ومبيعاً..”، هكذا برر قارئ سوري، متعصب للورق، لجوءه أخيراً إلى قراءة الكتب الالكترونية على “تاب” اشتراه له أولاده وظل مركوناً طيلة سنوات العناد وطغيان النوستالجيا.

لا يحمل هذا الاستسلام أي طابع بطولي، إنه قرار متأخر وحسب، لا سيما وأنه يأتي في أعقاب قرارات استسلام مشابهة، منحتها أسماء أصحابها دوياً وصخباً.

في ندوة استضافت الكاتب والمفكر الإيطالي الشهير امبرتو إيكو، قبل وفاته ببضعة أشهر، اعترف صاحب “اسم الوردة” بأنه رضخ للتكنولوجيا أخيراً، إذ اصطحب في إحدى سفراته جهازاً لوحياً محملاً بأربعة عشر كتاباً اختارها لمرافقته. وقال إنه حسب المسألة بطريقة ميكانيكية بسيطة، فيده ستكون عاجزة بلا شك عن حمل رزمة من أربعة عشر كتاباً، وهو ببساطة لم يجد بداً من الموافقة على أن تُضغط هذه الكتب في جهاز صغير يملك حجم ووزن كتاب واحد.

يبدو، إذاً، وكأن الكتاب الالكتروني في طريقه إلى الهيمنة، مع ما يتمتع به من ميزات تفضيلية: سهولة حمله، وقلة تكلفته المادية، وعدم حاجته إلى حيز مكاني بخلاف الكتاب المطبوع، إضافة إلى احتوائه على خاصية الوسائط المتعددة.

غير أن المسألة لا تزال بعيدة، قليلاً أو كثيراً، عن أن تحسم بسهولة، إذ تفاجئنا الإحصائيات العالمية بأرقام تعكس مسار التوقعات، منها، مثلاً، ما توصلت إليه دراسة لاتحاد الناشرين الأميركيين، منذ بضع سنوات، والتي أفادت بتراجع مبيعات الكتب الإلكترونية بنحو 10 في المئة.

هكذا يبدي الكتاب الورقي مقاومة عنيدة، مستنداً إلى مزاج شرائح واسعة من القراء، ممن يعتبرون أن علاقتهم بالكتاب تتجاوز تلك المقولة المبسطة “مضمون يُقرأ بأي شكل وعبر أي وسيلة”، فهؤلاء يرون أن للقراءة بعدٌ وجداني عاطفي، وإضافة إلى العقل هناك حواس يجب أن تأخذ نصيبها من الكتاب: أصابع تستمتع بلمس الأوراق، وأنف يتلذذ بشم رائحتها، وعين تبهجها ألوان الغلاف وأشكال الحروف السوداء المنثورة على بياض الورق.

في مقال له تحت عنوان «لماذا نقرأ الأدب»، يعترف ماريو فارغاس يوسا بأن الانترنت يؤدي للكاتب مساعدة لا تقدر بثمن؛ لكن «امتناني لهذه الراحة لا يتضمن اعتقاداً بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية».

ويقرر يوسا هذا التوزيع للمهام: فالكمبيوتر يفي بمتطلبات القراءة الوظيفية التي نبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع. أما قراءة الأدب، القائمة على الأحلام ومتعة الكلمات والإحساس بالحميمية والتركيز العقلي والعزلة الروحية، فلا يمنحها إلا الكتاب الورقي.

وهو سرعان ما يختبر هذه القسمة على نفسه: «على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لا يمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعراً لجونجورا، رواية لأونيتي أو مقالاً لباز..».

ثم يصل الروائي الشهير إلى هذه النبوءة: «أنا مقتنع، بالرغم من أني لا أستطيع إثبات ذلك، بأنه مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة».

لكن عند الحديث عن الكتاب الالكتروني في سوريا وفي العالم، فإننا نتحدث عن أمرين مختلفين، إذ أن الكتاب في أوروبا أو الولايات المتحدة، مثلاً، يبقى كتاباً، سواء كان ورقياً أم الكترونياً. يدفع القارئ مالاً لقاء أي منهما، محافظاً على حقوق الناشر والمؤلف، مما يحصر المنافسة بين الورق والتكنولوجيا في دائرة الثقافة، ويرهنها بمزاج القراء وتفضيلاتهم وميولهم وحسب.

هنا المسألة مختلفة تماماً، إذ أن المكتبات صارت، بحكم الأمر الواقع، أمكنة محظورة على كثير من القراء، وأسعار الكتب التي تقفز مع تقافز الدولار حولت المطالعة إلى ترف مكلف. بالمقابل توفر شبكة الانترنت طريقاً سهلاً إلى عدد لا يحصى من الكتب المجانية، في مختلف المجالات والتخصصات، يوفرها قراصنة خيرون لا هدف لهم إلا خدمة الشغوفين بالقراءة، ورغم غياب أرقام إحصائية دقيقة فإن المؤشرات (والتحليل المنطقي كذلك) ترجح أن الكتب الالكترونية صارت تحتل المرتبة الأولى في خيارات القراء، متسببة في تعميق أزمة الناشرين والمؤلفين، المأزومين أصلاً بفعل الأمية الثقافية وشروط الرقابة والظروف الاقتصادية الصعبة.

يقول ناشر عربي (مدير الدار العربية للعلوم)، في حوار صحفي، إن “الكتاب الإلكتروني العربي لا يُشكل تحدياً فعلياً للكتاب المطبوع، إلا أن القرصنة هي التحدي الأكبر في هذا الإطار”. ويضيف: “مسيرة الكتاب الإلكتروني بدأت بصيغة «بي دي أف»، وعمد المزورون إلى تصوير الكتب المطبوعة ونشرها على شبكة الإنترنت مجاناً، الأمر الذي يخالف حقوق النشر والملكية في كل دول العالم”.

إضافة إلى القرصنة، يشير الناشر إلى مشكلة أخرى فرضتها التكنولوجيا: “يواجه الكتاب العربي أزمة قارئ، إذ ساهمت التقنيات والتكنولوجيا التي دخلت إلى عالمنا العربي، في استنزاف وقت القراءة، إضافة إلى غياب ثقافة القراءة في وسائل النقل، ما يزيد من معاناة الكتاب ودور النشر على حد سواء”.

في دول كثيرة من العالم، بدأ العمل على مكافحة هذه القرصنة من خلال إدخال طرق تكنولوجية لحماية الملكية الفكرية تمنع تصوير الكتاب أو نشره من دون موافقة دار النشر، ولكن الدول العربية، وبينها سوريا، لا تزال عاجزة عن ذلك.

ولكن هل المطلوب حقاً أن نقوم بإجراءات من هذا النوع؟ من الذي سيستفيد منها؟.

يقول شاب احترف تصوير الكتب الورقية بصيغة «بي دي أف» ونشرها على النت مجاناً، إن ” اتخاذ إجراءات تمنع عملنا هذا لن يفيد أحداً.. ستكون إجراءات عبثية تماماً، فالقراء الذين سيحرمون من خدماتنا لن يهرعوا إلى المكتبات لشراء الكتب الورقية، ولن يتحولوا إلى الدفع الالكتروني للحصول على نسخ الكترونية نظامية.. على الأرجح سيتحولون إلى الفيسبوك وتويتر، فهناك بإمكانهم أن يصبحوا كتاباً أيضاً”.

ويسأل: “كن صريحاً مع نفسك. عندما تذهب بعد قليل وتقرأ كتاباً على شاشة كمبيوترك، فهل ستشعر بالذنب إزاء أي أحد؟”. ويجيب: “لا طبعاً، إذ أنك سوف تقف أمام بديلين شبه مستحيلين: أن تصرف راتبك كاملاً لقاء كتب ورقية، أو أن تقلع تماماً عن القراءة. دعك من كل هذا الكلام عن حقوق النشر والتأليف، فنحن لسنا في أوروبا أو أميركا”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر